سبب النزول: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}، رقم ٤٥٧٩)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٧٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا}».
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ حمزة والكسائي: {كُرْهًا} بضم الكاف، وهو لغة في المصدر كالرَّهب والرُّهب والضَّعف والضُّعف.
وقرأ الباقون: {كَرْهًا} بفتح الكاف. وقيل: الفتح ما أكرهت عليه غيرك، والضم ما حملت عليه بمشقة.
قرأ ابن كثير وشعبة عن عاصم: {بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} بكسر الياء المشددة (اسم فاعل، أي هي مبينة لقبائحها). وقرأ الباقون: {مُّبَيَّنَةٍ} بفتح الياء المشددة (اسم مفعول، أي بينها الدليل وأظهر أمرها).
أقوال السلف في العضل والفاحشة: أخرج الطبري في جامع البيان (ج ٨، ص ٩٥-١٢٠)مصدر غير محدد٨/٩٥ عن ابن عباس قال: العضل هو أن يضارها الرجل حتى تفتدي منه بما أعطاها، والفاحشة المبينة هنا فسرها ابن مسعود وابن عباس بالنشوز والعصيان واللسن الفاحش، وفسرها آخرون بالزنا؛ فإن فعلت فله أن يضيق عليها لتفتدي نفسها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَرِثُوا النِّسَاءَ
الميراث هنا هو استرقاق ذوات النساء كالمتاع كما كان أهل الجاهلية يصنعون، أو استلاب أموالهن بحرمانهن من الزواج.
تَعْضُلُوهُنَّ
العضل في اللغة الحبس والتضييق والمنع؛ وعضلت المرأة إذا منعتها من النكاح ظلماً وإضراراً.
وَعَاشِرُوهُنَّ
المعاشرة المخالطة والمصاحبة على وجه المودة والألفة، من المعشر وهو الجماعة المتآلفة.
بِالْمَعْرُوفِ
بكل ما تعارف عليه أهل الإيمان من حسن الخلق، وكف الأذى، والإنفاق بالحق، وطلاقة الوجه.
لَا يَحِلُّ
لا نافية، ويحل فعل مضارع مرفوع، و{أَن تَرِثُوا}: مصدر مؤول في محل رفع فاعل ليحل.
كَرْهًا
حال من الفاعل (أي مكرهين لهن) أو من المفعول (أي مكرهات)، أو مفعول مطلق.
وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
لا ناهية جازمة، وتعضلوهن فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والهاء مفعول به. وقيل: الواو عاطفة على ترثوا والنهي بـ "لا يحل"، والأرجح استئناف النهي استقلالاً.
فَعَسَىٰ
الفاء رابطة للجواب أو تفريعية، عسى فعل ماض جامد للترجي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما حرم الله أكل أموال اليتامى في الآيات السابقة، أتبع ذلك بتحريم ظلم شريكة الحياة وقهرها في مالها وبضعها، لتقرير كرامة المرأة الإنسانية واستقلال ذمتها المالية وسقوط عادات الجاهلية الهمجية في استرقاقها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة استغلال الاستثناء في {إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}: قد يتوهم واهم أن للرجل التضييق على المرأة بمجرد الخلاف المعتاد؛ والتحقيق الفقهي عند أئمة المذاهب (كمالك والشافعي وأحمد) أن العضل محرم تحريماً باتاً، ولا يحل للرجل أخذ مال زوجته إذا كان الكره من قبله؛ وإنما أبيح التضييق عند النشوز المستبين أو الفاحشة الظاهرة حين تكون المرأة هي المعتدية الباغية على حق الزوجية، زجراً لها عن البغي وإحقاقاً للعدل، ومع ذلك رغب الشارع في العفو والإحسان.
أسلوب الحث الإلهي البديع: قوله تعالى: {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}، نكرة موصوفة بالكثرة؛ وفي هذا لفتة نفسية عميقة لترويض النفس على الصبر الجميل؛ فكم من مكروه في بادئ الرأي يعقبه الله بالولد الصالح أو السكينة الدائمة أو الأجر العظيم، فربط القرآن بين الأخلاق الأسرية وبين الثواب الأخروي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأمر بالمعاشرة بالمعروف حتى في حالات تراجع المشاعر النفسية؛ فالزواج ميثاق واستقرار وليس مجرد هوى عابر.
تجريم حرمان المطلقات أو الأرامل من حقوقهن أو إكراههن على التنازل عن مهورهن تحت وطأة التضييق الاجتماعي.