المراد بالمبطئ: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: هو عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه من المنافقين الذين كانوا يثبطون الناس عن الخروج للجهاد ويقولون: لا تنفروا في الحر، ونخشى عليكم القتل والدائرة، فإن أصابت المسلمين نكبة وهزيمة كأحد قال المنافق شامتةً: قد عصمني الله فلم أقتل معهم!
أخرج الطبري (ج ٨، ص ٥٨٥)مصدر غير محدد٨/٥٨٥ عن مجاهد قال: التبطئة تكون في نفسه بالقعود، وتكون لغيره بالتثبيط والتخذيل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لَّيُبَطِّئَنَّ
التبطئة التأخر والتثبيط، والتضعيف للمبالغة؛ أي يتثاقل في نفسه ويثبط غيره عن النفير.
مُّصِيبَةٌ
هزيمة، أو قتل، أو جراح كما حدث يوم أحد.
شَهِيدًا
حاضراً معهم مشاهداً للوقعة.
وَإِنَّ
حرف مشبه بالفعل.
مِنكُمْ
جار ومجرور خبر إن مقدم، والخطاب للأمة بحسب الظاهر؛ لأن المنافقين كانوا مندمجين في المجتمع ظاهراً.
لَمَن
اللام المزحلقة للتوكيد، ومن اسم موصول اسم إن مؤخر.
لَّيُبَطِّئَنَّ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، يبطئن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة.
شَهِيدًا
خبر كان منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن أمر المؤمنين بأخذ الحذر والنفير، حذرهم من الطابور الخامس الداخلي؛ من أولئك المرجفين الذين يعيشون بين المسلمين بأجسادهم وقلوبهم مع الأعداء، يكشفون أسرارهم ويثبطون هممهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تشريح النفسية النفعية الانتهازية للمنافق: تكشف الآية المنطق الساقط للمنافق؛ إذ يعتبر التخلف عن نصرة الحق والسلامة من البلاء مع تخلف الإيمان نعمة إلهية! بينما الموت في سبيل الله عند المؤمن هو أسمى مراتب الفوز والشهادة؛ فالتقييم المادي المحض للسلامة هو ميزان المنافقين، بينما ميزان المؤمنين هو نصرة الدين ورضا رب العالمين.
التوكيد المتتابع بالقسم والنون: قوله {لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ}؛ تأكيد جازم لوجود هذه الظاهرة النفاقية في كل صف إيماني، لئلا يصاب المخلصون بالصدمة أو الإحباط إذا رأوا متخاذلين أو مثبطين بين صفوفهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من دعاة التخذيل والتثبيط الذين يبثون روح الانهزامية في الأمة عند الأزمات.
ترسيخ عقيدة الشهادة، واستحضار أن الابتلاء في سبيل الله شرف ورفعة وليس خسراناً.