روى الطبري (7/ 582)مصدر غير محدد٧/٥٨٢ وابن المنذر عن مجاهد وقتادة والحسن البصري: لما نزل قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} كبُر ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: فما بال إخواننا وعشائرنا الذين كانوا ينافقون؟ فأنزل الله تبارك وتعالى هذا الاستثناء رحمة بعباده، مبيناً شروط التوبة الصادقة المنجية من الدرك الأسفل.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جعل الله للمنافقين فرجاً ومخرجاً من الدرك الأسفل إذا تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَاعْتَصَمُوا}: الاعتصام افتعال من العصمة، وهي التمسك بما يمنع الهلاك؛ والعصام: حبل يُشد به الشيء لحفظه، فالمعتصم بالله هو المستمسك بحبله وعهده وتوفيقه منجياً له من الفتن.
{وَأَخْلَصُوا}: الخلوص: نقاء الشيء وتصفيته من كل شائبة وغبش وكدر، وأخلص دينه: جعله صافياً لا رياء فيه ولا نفاق ولا حظ لنفس ولا لخلق.
الإعراب والتركيب:
{إِلَّا}: أداة استثناء مفرغة أو استثناء متصل من اسم إن في الآية السابقة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء، أو في محل رفع بدل على قراءة بعض النحاة.
{تَابُوا}: جملة الصلة لا محل لها من الإعراب.
{فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}: الفاء واقعة في جواب الموصول المتضمن معنى الشرط؛ أولئك: مبتدأ، وشبه الجملة {مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} متعلق بمحذوف خبر.
{وَسَوْفَ يُؤْتِ}: سوف حرف استقبال وترجٍّ، يؤتِ: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة رسماً للتخفيف أو للجزم في بعض القراءات، والفاعل هو الله، والمؤمنين مفعول به أول منصوب بالياء، وأجراً مفعول به ثانٍ، وعظيماً نعت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتيب أركان النجاة الأربعة:
جاء التدرج في الآية على نسق بياني ومعرفي بالغ الدقة:
{تَابُوا}: الإقلاع عن الكفر والنفاق باطناً وظاهراً (التخلية).
{وَأَصْلَحُوا}: تدارك ما أفسدوه من العمل، وإظهار الأعمال الصالحة المكفرة لما سلف (التحلية).
{وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ}: الالتجاء التام إلى حفظ الله وقوته ودينه بدلاً من الاعتصام بالكافرين والخلطاء الفاسدين.
شبهة: لماذا قال {فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} ولم يقل: "فأولئك من المؤمنين"؟:
يدفع الإشكال: ذكر الإمام القرطبي (5/ 421)مصدر غير محدد٥/٤٢١ وابن عطية: أن التعبير بـ {مَعَ} يحمل غايتين جليلتين:
تطييب خواطر هؤلاء التائبين وإدماجهم في صفوف الجماعة المسلمة بحيث لا ينبذهم المؤمنون بسوابقهم في النفاق، بل يرفعون إلى معيّتهم في العطاء والنصرة والجزاء.
التنبيه على رفعة رتبة المؤمنين السابقين الرواسخ؛ فالتائب من النفاق يلحق بهم ويكون في زمرتهم ومعيّتهم، ثم قال: {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا}، فإذا كان التائبون معهم فقد نالهم هذا الأجر العظيم بحكم المعيّة واللحوق المبارك.