الجمع بين الآيتين (٧٨ و ٧٩): أخرج الطبري في تفسيره (ج ٨، ص ٦٣٥-٦٥٠)مصدر غير محدد٨/٦٣٥ عن ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد والسدي في الجمع بين قوله: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} وقوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}:
فالأولى ({قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}) في مقام "الخلق والتقدير والإيجاد الكوني"؛ فالله تعالى خالق كل شيء ومقدره ومالكه.
والثانية ({فَمِنَ اللَّهِ... فَمِن نَّفْسِكَ}) في مقام "السبب والكسب والتكليف والعدل والفضل"؛ فالحسنة فضل من الله وهداية ونعمة، والسيئة سببها كسب العبد وذنوبه وتقصيره ومخالفته لأمر الله، كقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}.
روى الطبري عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: «ما تريدون من القدر؟ ألا تكفيكم الآية التي في سورة النساء: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}، ثم قال: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}، والله ما وُكّلوا إلى القدر، ولقد أُمروا بالجد والعمل».
أخرج مسلم في صحيحه (رقم ٢٥٧٧)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٧٧ من حديث أبي ذر رضي الله عنه في الحديث القدسي العظيم: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَّا أَصَابَكَ
ما نزل بك وحل بك من حوادث وأحوال.
فَمِنَ اللَّهِ
فضلاً ورحمة ومنة وتوفيقاً وتيسيراً.
فَمِن نَّفْسِكَ
كسباً وسبباً وذَنباً وتقصيراً في الأسباب والامتثال.
رَسُولًا
حال مؤكدة، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومن ورائه كل مكلف.
مَّا
اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ (أو اسم موصول).
أَصَابَكَ
فعل الشرط، والكاف مفعول به.
مِن حَسَنَةٍ
بيان لـ "ما".
فَمِنَ اللَّهِ
الفاء رابطة للجواب، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره "فهو من الله"، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
رَسُولًا
حال منصوبة من الكاف في "أرسلناك".
وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا
كفى فعل ماض، واسم الجلالة فاعل محلاً، و{شَهِيدًا} تمييز أو حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإحكام التشريعي والعقدي يرفع كل لبس؛ فبعد أن رد التقدير والخلق كله إلى الله في الآية السابقة رداً على خرافة التطير، جاءت هذه الآية لترسي الأدب الإيماني مع الله؛ فالمؤمن ينسب الفضل والنعمة لله رباً ومنعماً، وينسب النقص والذنب والتقصير إلى نفسه اعترافاً ومحاسبة وتوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دقيق في مسألة الحسنات والسيئات بين التقدير والكسب:
١. التوفيق بين الآيتين من أعظم معاقد علم التوحيد؛ فالحسنات والسيئات كلها واقعة بقضاء الله وقدره ومشيئته وخلقه (هذا معنى: {كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}).
٢. أما من جهة الإضافة والأدب الشرعي والمسببات: فالحسنة فضل منه سبحانه إذ وفق إليها ويسرها وخلقها وأثاب عليها، فله الحمد أولاً وآخراً؛ وأما السيئة (المصيبة أو الذنب) فإنما نزلت بسبب ذنب العبد وتفريطه، فكان العبد هو المتسبب فيها بظلمه وجهله، فاستحق اللوم ونسبت إليه سبباً واكتساباً؛ وهذا مذهب سلف الأمة وأئمة السنة بلا تناقض.
الالتفات إلى الخطاب الفردي {مَّا أَصَابَكَ}: الالتفات من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب المباشر للإنسان؛ لتحريك الضمير الفردي وإلزامه بمحاسبة النفس وتجريد الشكر لله عند النعم والاستغفار عند المحن.
التذييل بشهادة الله: {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا}؛ شهادة من رب العالمين على صدق رسالة نبيه وبراءته من دعاواهم وتطيرهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دوام شكر الله والاعتراف بفضله ونعمه عند حصول كل خير وتوفيق في الحياة.
محاسبة النفس عند نزول المكاره والمصائب، واللجوء إلى الاستغفار والتوبة بدلاً من إلقاء اللوم على الآخرين أو الأقدار.