سبب النزول وقصة سرية أسامة بن زيد أو محلم بن جثامة:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الديات، باب إذا قال لست مؤمناً، رقم ٦٨٧٢)مصدر غير محددحديث رقم ٦٨٧٢ ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، رقم ٩٦) عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُرَقات، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقتُ أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم (مرداس بن نهيك)، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي حتى قتلته! فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟! قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذاً (قالها خوفاً من السلاح)! فقال: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟! فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم».
وروى أحمد (رقم ٢١٠٣٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٠٣٠ والطبري وابن إسحاق أن الآية نزلت في محلم بن جثامة حين قتل عامر بن الأضبط الأشجعي بعد أن حياه بتحية الإسلام؛ طمعاً في إبله ومتاعه.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ حمزة والكسائي وخلف: {فَتَثَبَّتُوا} بالثاء المثلثة والتاء في الموضعين، من التثبت.
وقرأ الباقون: {فَتَبَيَّنُوا} بالباء الموحدة والياء المثناة تحت، من التبيّن والوضوح. وهما قراءتان متكاملتان في المعنى.
قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع: {لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} بغير ألف، وقرأ الباقون: {السَّلَامَ} بألف، والمراد تحية الإسلام أو الاستسلام والانقياد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ضَرَبْتُمْ
الضرب في الأرض السير والمسير في الجهاد والسفر.
عَرَضَ
العَرَض المتاع الزائل الفاني الذي لا بقاء له من حطام الدنيا وغنائمها.
مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ
ثواب الله ورضوانه ونعيم الجنة الذي لا ينفد، وما يفتحه الله من الحلال.
فَتَبَيَّنُوا
الفاء رابطة لجواب إذا، تبينوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
تَبْتَغُونَ
مضارع والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من واو "لا تقولوا".
عَرَضَ
مفعول به لتبتغون.
فَمَنَّ اللَّهُ
الفاء عاطفة تفريعية، منّ فعل ماض، واسم الجلالة فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ضابط عسكري وأخلاقي صارم في ساحات الوغى؛ فبعد أن عظم حرمة دم المؤمن، حذر المجاهدين من الاستعجال بقتل من أظهر شعار الإسلام متأولين أنه إنما قالها تعوذاً أو طمعاً في سلب غنيمته؛ فأمرهم بالتثبت وحرم شق الصدور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحكيم الظاهر وعدم شق الصدور في الحكم على الناس: الآية تؤسس لقاعدة كلية في القضاء والمعاملات الإسلامية: "نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر"؛ فمن نطق بالشهادتين أو ألقى تحية الإسلام حقن دمه وعصم ماله، وحرم قتله حتى لو غلب على الظن أنه قالها خوفاً من السيف؛ لأن السرائر لا يعلمها إلا الله، وقد عاتب النبي صلى الله عليه وسلم أسامة عتاباً شديداً وقال له: «فهلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!».
الاستعطاف الوجداني في {كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}: تذكير بليغ للمؤمنين بأيام استضعافهم بمكة حين كانوا يخفون إيمانهم ولا يملكون إلا الكلمة الواحدة للنجاة؛ فكما هداكم الله ومنّ عليكم فاعرفوا قدر هذه الكلمة من غيركم واعذروهم وتأنوا في شأنهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التثبت والتبين في نقل الأخبار والحكم على الأشخاص وتجنب التسرع وسوء الظن.
تعظيم كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ومعرفة حرمتها وأنها تعصم الدم والمال.