وعد الله الحق الصادق: قال ابن عباس وقتادة: يقابل الله سبحانه بين وعد الشيطان الباطل الغرور، وبين وعده الحق الصادق لأهل الإيمان والعمل الصالح بجنات النعيم والخلود الأبدي، ومن أصدق من الله قولاً وحديثاً ووعداً؟!
أخرج الطبري (ج ٩، ص ٣٢٥)مصدر غير محدد٩/٣٢٥ أن هذا بيان لصفقة الإيمان الرابحة التي لا تخلف ولا تتبدل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَعْدَ اللَّهِ
الوعد هنا المصدر المؤكد لوقوع الموعود؛ أي وعدهم الله ذلك وعداً لا خلف فيه.
حَقًّا
ثابتاً يقيناً لا مرية فيه ولا كذب ولا تبديل.
قِيلًا
القيل والقول واحد، وهو ما ينطق به؛ أي أصدق خبراً ووعداً.
وَالَّذِينَ
مبتدأ، وجملة {آمَنُوا} صلته.
سَنُدْخِلُهُمْ
خبر المبتدأ، والسين لتحقيق القرب والوقوع.
جَنَّاتٍ
مفعول به ثان.
خَالِدِينَ
حال، و{أَبَدًا}: ظرف زمان مؤكد.
وَعْدَ اللَّهِ
مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة السابقة لفعل محذوف، والله مضاف إليه.
حَقًّا
نعت لوعد أو مفعول مطلق ثان أو حال مؤكدة.
وَمَنْ
اسم استفهام إنكاري مبتدأ، و{أَصْدَقُ}: خبر، و{قِيلًا}: تمييز منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة القرآنية العظمى (المثاني)؛ فبعد أن رسم مشهد جهنم وانعدام المحيص لأولياء الشيطان، فتح رياض الجنات الوارفة المخلدة لأولياء الرحمن، وعقب بتأكيد صدق الوعد الإلهي المطلق مقارنة بغرور الشيطان وكذبه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية تحقق الوعد الإلهي وامتناع الخلف عقلاً وشرعاً: خلف الوعد نقص وكذب، وهو محال على الله تعالى لكمال غناه وقدرته وصدقه ورحمته؛ فالأسباب الحاملة على إخلاف الوعد عند المخلوق (العجز، أو النسيان، أو البخل، أو الجهل) كلها منزه عنها رب العالمين تنزيهاً مطلقاً؛ فكان وعده بالجنة للمؤمنين حقاً لا ريب فيه ولا شك.
الاستفهام الإنكاري المتضمن معنى النفي والتعظيم: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}، أسلوب يهز الوجدان ويملأ القلب أمناً ويقيناً؛ فلا أحد يداني صدق خبر الله تعالى ووعده.
تأكيد الخلود بـ {أَبَدًا} ومصدري {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا}: توكيدات متتالية لتثبيت قلوب المؤمنين وقطع وساوس الشياطين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين التام بوعد الله والتطلع إلى نعيم الجنة الخالد والعمل الصالح الموصل إليها.
الثقة المطلقة بكل ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه والاستغناء بهما عن أوهام الفلسفات والوعود البشرية الزائفة.