سبب النزول وسؤال عائشة رضي الله عنها: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: {ويستفتونك في النساء}، رقم ٤٥٩٧-٤٦٠٠) ومسلم في صحيحه (كتاب التفسير، رقم ٣٠١٨)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠١٨ عن عائشة رضي الله عنها قالت في قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ}: «هي اليتيمة تكون عند الرجل، قد شاركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلاً فيدخل عليه في ماله فيشاركه فيه، ويعضلها، فنهوا عن ذلك».
وفي رواية عنها في الصحيحين: «تكون اليتيمة عند وليها ذات مال وجمال فيريد أن يتزوجها بأدنى من صداق مثلها، فإن كانت قليلة المال والجمال رغب عنها وزوجها غيره وحرمها من مالها وميراثها، فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بالعدل والقسط وإيتاء اليتامى مهورهن كاملة كمهر أمثالهن».
أخرج الطبري (ج ٩، ص ٣٧٠)مصدر غير محدد٩/٣٧٠ عن ابن عباس قال: المستضعفون من الولدان كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا الإناث ويقولون: لا يرث إلا من يقاتل ويحمل السيف، فأنزل الله ميراثهم وأمر بالعدل معهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَسْتَفْتُونَكَ
يطلبون منك الفتيا والبيان الشرعي في أحكام النساء وميراثهن وعشرتهن.
مَا كُتِبَ لَهُنَّ
ما فرض الله وقدر لهن من الميراث والمهر والصداق العادل.
وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ
الرغبة تتعدى بـ "في" و"عن"؛ فتحتمل الآية معنيين متكاملين: ترغبون في نكاحهن لجمالهن ومالهن دون إعطائهن مهورهن العادلة، وترغبون عن نكاحهن لدمامتهن فتعضلونهن عن الزواج وتمنعونهن أموالهن.
بِالْقِسْطِ
بالعدل التام في المهور وحفظ الأموال والمعاملة.
وَيَسْتَفْتُونَكَ
مضارع مرفوع والواو فاعل والكاف مفعول به.
قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ
جملة مقول القول، والله مبتدأ وجملة يفتيكم خبره.
وَمَا يُتْلَىٰ
معطوف على اسم الجلالة في محل رفع (أي ويفتيكم ما يتلى عليكم في الكتاب)، أو معطوف على الضمير في فيهن.
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ
معطوف على يتامى النساء في محل جر.
وَأَن تَقُومُوا
مصدر مؤول معطوف على ما قبله في محل جر أو نصب؛ أي ويأمركم بالقيام لليتامى بالقسط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عودة حميدة إلى مقاصد السورة الأولى؛ فالسورة افتتحت برعاية حقوق اليتامى والنساء والأموال، وجاءت هذه الآية استجابة لاستفتاء الصحابة لتجدد التأكيد الصارم على كرامة المرأة واليتيمة وحماية المستضعفين من الصغار والولدان من أي جشع مادي أو استغلال أسري.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حماية الضعفاء من الاستغلال والتحكم المالي: الآية تضع سياجاً قانونياً وأخلاقياً صارماً ضد استغلال الأولياء؛ فلا يجوز للولي أن يستغل ولايته على اليتيمة فيتزوجها بمهر بخس دون مهر المثل، ولا يجوز له أن يعضلها ويحبسها عن الزواج خوفاً من أن يشاركه زوجها في المال؛ فالشريعة تلزم بالعدل التام أو تركها لتتزوج من تشاء، وتضمن للولدان الصغار حصصهم الكاملة في الميراث.
التضمين البياني في {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ}: حذف حرف الجر (في أو عن) لتتسع الآية لإعجاز التشريع في الحالتين: الرغبة "في" الزواج بالبخس، والرغبة "عن" الزواج بالعضل والأذى.
التذييل بـ {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا}: ترغيب في الإحسان وتخويف للأولياء بأن كل تصرف في مال اليتيمة محصى عند الله وسيجازي عليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توخي العدل التام والقسط في تزويج اليتيمات ورعاية أموالهن.
صيانة حقوق الأطفال المستضعفين وحفظ أموال التركات دون تلاعب أو استئثار.