السياسة النبوية في التعامل مع المنافقين: قال ابن عباس وقتادة والحسن: علم الله ما في قلوبهم من النفاق والغل والحقد والتحاكم إلى الطاغوت؛ فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن عقوبتهم وفضحهم بالأسماء تأليفاً واستبقاءً للمجتمع، وأمره بموعظتهم وتخويفهم من بأس الله، وأن يقول لهم في خلواتهم قولاً بليغاً رادعاً يزجرهم عن نفاقهم.
روى الطبري (ج ٨، ص ٥٤٠)مصدر غير محدد٨/٥٤٠ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله مع زجرهم وتذكيرهم بالحق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
الإعراض هنا ترك المعاقبة البدنية والانتقام الشخصي وقبول الظاهر.
وَعِظْهُمْ
الموعظة التذكير بالترغيب والترهيب والإنذار بعذاب الله ونقمته.
بَلِيغًا
البلاغة هي وصول الكلام إلى أعماق النفس وإصابته للمفصل المؤثر بحيث ينفذ إلى القلب ويهزه هزاً.
أُولَٰئِكَ
مبتدأ، و{الَّذِينَ}: خبر.
يَعْلَمُ اللَّهُ
صلة الموصول، و{مَا}: اسم موصول مفعول به.
فَأَعْرِضْ
الفاء رابطة لجواب شرط مقدر، وأعرض فعل أمر مبني على السكون.
قَوْلًا
مفعول به أو مفعول مطلق منصوب، و{بَلِيغًا} نعت له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
منهج نبوي فريد في التعامل مع الخصوم الداخليين؛ يجمع بين الرقابة الإلهية المطلقة، والحلم السياسي النبوي، والضغط الدعوي النفسي البليغ لكسر شوكة النفاق دون شق وحدة الصف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة عدم قتل المنافقين في العهد النبوي: ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه لما استأذنه في قتل رأس النفاق: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»؛ فالسياسة الشرعية الحكيمة تراعي المآلات وسمعة الدعوة ومنع تفرق الصفوف، وتكتفي بإبطال كيدهم بالقول البليغ والموعظة النافذة وكشف خططهم للأمة.
الظرفية النفسية في قوله {فِي أَنفُسِهِمْ}: تعليق القول بـ "في أنفسهم" فيه سر بياني بديع؛ أي قل لهم كلاماً سراً بينك وبينهم يخاطب وجدانهم ويغوص في أعماق نفوسهم ليكشف عوارهم دون فضحهم على الملأ، ليكون ذلك أبلغ في التأثير وأدعى للإنابة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اعتماد الحكمة والقول البليغ المؤثر في دعوة المقصرين والمنافقين.
تفويت الفرصة على أعداء الدين الذين يتربصون شق وحدة الأمة الإسلامية.