مقاصد التشريع الإلهي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ثماني آيات في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت»، وذكر منها قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}.
أخرج الطبري (ج ٨، ص ٢٤٥)مصدر غير محدد٨/٢٤٥ عن قتادة والسدي في قوله: {سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}: أي طرائق الأنبياء والصالحين من قبلكم في تحليل الحلال وتحريم الحرام والنكاح الصحيح القائم على العفة والتقوى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سُنَنَ
السنن جمع سُنة، وهي الطريق المسلوك والمنهج المستقيم في الخير.
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ
التوبة هنا هي الرجوع بالعباد من جاهليتهم وضلالهم إلى نور الشريعة والهداية ومغفرة ما سلف.
يُرِيدُ اللَّهُ
فعل مضارع مرفوع واسم الجلالة فاعله.
لِيُبَيِّنَ
اللام لام كي أو زائدة مؤكدة لإرادة، والفعل منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به ليريد (أي: يريد الله بيان ما تحتاجون إليه).
سُنَنَ
مفعول به ليهديكم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية كفاتحة لثلاث آيات متتالية تبتدئ بالإرادة الإلهية الرحيمة ({يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ}، {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}، {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ})، لتكشف عن علل تلك التشريعات السابقة وأسرارها؛ وأن الله ما شرع المواريث ولا المحرمات ولا ضوابط النكاح تضييقاً على العباد، بل بياناً للحق وهداية للمحجة وتيسيراً على الفطرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
وحدة المنهج الرباني في الشرائع السماوية: الآية تقطع بأن دين الله واحد وشرائع الأنبياء متفقة في أصول الفضائل والعفة وحفظ الأنساب والأموال؛ فالإسلام لم يبتدع أحكاماً غريبة عن الفطرة الإنسانية، بل أعاد الناس إلى سنن الأنبياء السابقين التي شوهتها الجاهليات المتعاقبة، مما يبرهن على ربانية المصدر ووحدة الغاية.
حذف مفعول التبيين للتعميم: قوله {لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} حذف المفعول به ليفيد التعميم؛ أي ليبين لكم كل ما تصلح به دنياكم وآخرتكم من الحلال والحرام والمصالح والمفاسد.
التذييل بالعلم والحكمة: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تعليل لكل ما تقدم؛ فهو يعلم ضعف خلقه وحاجاتهم، وحكيم في تدبيره وتشريعه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس الطمأنينة واليقين في نفوس المسلمين بأن كل أمر شرعي هو لمصلحتهم التامة وخيرهم المحض.
الاعتزاز بالشريعة الإسلامية والشعور بالارتباط الوثيق بموكب الأنبياء والصالحين على مر التاريخ البشري.