المراد بـ "الناس" المحسودين: أخرج ابن جرير الطبري (ج ٨، ص ٤٨٠)مصدر غير محدد٨/٤٨٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: «الناس هنا هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وأصحابه المؤمنون عامة»، حسدهم اليهود على ما آتاهم الله من النبوة والقرآن والإيمان والتمكين.
الاستدلال بآل إبراهيم: قال قتادة والسدي: يقول الله تعالى لهؤلاء اليهود: لم تحسدون محمداً على النبوة والشرف وهو من نسل إبراهيم؟ فقد آتينا من قبله آل إبراهيم (إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وداود وسليمان) النبوة والكتب والملك العظيم، فلم تنكرون ذلك على محمد صلى الله عليه وسلم وتستكثرون عليه فضل الله؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَحْسُدُونَ
الحسد تمني زوال النعمة عن المنعم عليه وانتقالها إلى الحاسد أو مجرد سلبها عنه بغياً وكرهاً.
ملك داود وسليمان وتسخير الريح والجن لهما، وملك النبوة والتمكين في الأرض.
أَمْ
حرف إضراب واستفهام إنكاري.
يَحْسُدُونَ
مضارع والواو فاعل.
النَّاسَ
مفعول به.
عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ
جار ومجرور متعلق بيحسدون، وما اسم موصول وصلته.
فَقَدْ
الفاء تعليلية، قد حرف تحقيق.
آتَيْنَا
فعل وفاعل، و{آلَ}: مفعول به أول، و{الْكِتَابَ}: مفعول به ثان.
مُّلْكًا
مفعول ثان لآتيناهم، و{عَظِيمًا} نعت له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إفحام وإلزام عقلي وتاريخي قاطع؛ فإن كان سبب إنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته هو الحسد لكونه بشراً آتاه الله النبوة والشرف؛ فقد جرت سنة الله بإيتاء الكتاب والملك لذريات الأنبياء من آل إبراهيم من قبل؛ فما وجه إنكارهم لفرع من تلك الشجرة المباركة إلا البغي المحض؟
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تهافت المنطق العنصري في احتكار النبوة: تكشف الآية التناقض العقلي لأهل الكتاب؛ إذ كانوا يقرون بملك داود وسليمان ونبوة أنبياء بني إسرائيل من نسل إبراهيم، ثم ضاقت نفوسهم حين اصطفى الله خاتم رسله من ذرية إبراهيم من ولد إسماعيل عليهما السلام؛ مما يدل على أن رفضهم لم يكن لشبهة في صحة الرسالة، بل لعنصرية مقيتة وحسد على الفضل الإلهي.
التعبير بالناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته: فيه إشارة إلى عالمية الرسالة المحمدية؛ فمحمد وأمته هم خلاصة الإنسانية والنموذج البشري الأكمل الذي يحقق معنى الخلافة في الأرض.
استعمال صيغة الماضي {فَقَدْ آتَيْنَا}: لتأكيد وقوع هذه السنن الربانية واستقرارها في التاريخ بحيث لا تقبل الجحد والإنكار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلامة الصدر من الغل والحسد، واليقين بأن فضل الله واسع يؤتيه من يشاء من عباده.
حب النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره ومعرفة فضله العظيم وأنه من أجلّ نعم الله على الإنسانية جمعاء.