سبب النزول ومفاخرة المسلمين وأهل الكتاب: أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ٣٣٠-٣٤٥)مصدر غير محدد٩/٣٣٠ وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن مسروق وقتادة والسدي قالوا: تفاخر المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب (اليهود والنصارى): نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أبناء الله وأحباؤه، ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى! وقال المسلمون: نبينا خاتم الأنبياء، وكتابنا يقضي على الكتب كلها، وديننا أكمل، ونحن أحق بالجنة منكم! فأنزل الله تبارك وتعالى ميزان العدل الصارم: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}.
خوف أبي بكر الصديق وبيان النبي صلى الله عليه وسلم لمعنى الجزاء في الدنيا: أخرج أحمد في مسنده (رقم ٦٨)مصدر غير محددحديث رقم ٦٨، والترمذي (رقم ٣٠٣٩)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٣٩ وحسنه، وابن حبان في صحيحه (رقم ٢٩٠٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٠٣ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}؟! فكل سوء عملناه جزينا به؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لك يا أبا بكر! ألستَ تمرض؟ ألستَ تنصب (تتعب)؟ ألستَ تحزن؟ ألستَ تصيبك اللأواء (الشدة والضيق)؟ قال: بلى، قال: فهو ما تُجزَون به».
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، رقم ٢٥٧٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٧٤ عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المسلم من نَصَب ولا وَصَب ولا همّ ولا حَزَن ولا أذى ولا غَمّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لَّيْسَ
فعل ماض ناقص، واسمها ضمير الشأن محذوف (أي ليس الأمر ولا الفلاح)، أو يعود على النجاة ودخول الجنة.
بِأَمَانِيِّكُمْ
الأماني جمع أمنية، وهي التشهي للنفس بغير عمل ولا برهان، والتمني بضاعة المفلسين.
يُجْزَ بِهِ
الجزاء المكافأة بالمثل؛ إما كفارات وتمحيصاً ومصائب في الدنيا، وإما قصاصاً وعقوبة في الآخرة.
وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
لا يجد من يتولى أمره بالمحاباة، ولا من يدفع عنه بأس الله بقوة.
لَّيْسَ
فعل ماض ناقص.
بِأَمَانِيِّكُمْ
الباء زائدة في خبر ليس في محل نصب (أو متعلقة بالخبر المحذوف).
وَلَا أَمَانِيِّ
معطوف مجرور بكسرة مقدرة.
مَن يَعْمَلْ
اسم شرط جازم مبتدأ، يعمل فعل الشرط مجزوم.
يُجْزَ
جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة (الألف) مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر يعود على "من".
وَلَا يَجِدْ
معطوف مجزوم بالسكون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو ميزان العدالة الربانية المطلق؛ يسقط كل الدعاوى العرقية والألقاب الدينية والمفاخرات اللسانية، ويؤسس المبدأ الكلي الأكبر: "النجاة بالعمل الصالح والإيمان، والجزاء العادل على كل سوء"؛ فلا محاباة لأحد عند الله، حتى للمسلمين إن ركنوا إلى الأماني وتركوا التقوى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إسقاط الطبقية الدينية وتأصيل عدالة الحساب: تدحض الآية المنطق الطائفي الأعمى؛ فالانتساب إلى الإسلام أو إلى أي دين ليس بطاقة حصانة من الحساب إن قصر المرء في العمل وعمل السوء؛ والحديث النبوي الشريف لأبي بكر بين أن عدل الله ولطفه بالمؤمن يقتضي مجازاته على سيئاته وهفواته بالمصائب والأمراض والهموم في الدنيا ليلقى الله طاهراً نقياً لا ذنب عليه، بينما يدخر للكافر والمنافق جزاءه وعقابه التام في نار جهنم يوم القيامة.
إسقاط الانتساب اللساني بـ {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ}: ردع مباشر للمؤمنين أن يتشبهوا بأهل الكتاب في الركون إلى شرف الانتساب للدين دون التزام بأحكامه وتكاليفه؛ فالإيمان "ما وقر في القلب وصدقه العمل".
العموم الحاسم في {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}: قانون رباني لا يستثني أحداً؛ يملأ قلب الصديقين بالوجل واليقظة ومحاسبة النفس على كل خاطرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاسبة النفس الدقيقة، وتجنب الغرور بالانتساب إلى الإسلام أو إلى الصالحين دون عمل.
الصبر والاحتساب عند نزول الأمراض والمصائب والهموم، واليقين بأنها كفارات ورحمة من الله لتطهير العبد في الدنيا.