معنى الجهالة في الآية: أخرج الطبري (ج ٧، ص ٦٦٠)مصدر غير محدد٧/٦٦٠ وعبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كل من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن ذنبه». وأخرج عن قتادة قال: «اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل ما عُصي به الله فهو جهالة، عمداً كان أو خطأ».
معنى {مِن قَرِيبٍ}: أخرج أحمد في مسنده (رقم ٦١٦٠)مصدر غير محددحديث رقم ٦١٦٠، والترمذي (رقم ٣٥٣٧)مصدر غير محددحديث رقم ٣٥٣٧ وحسنه، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغر». قال ابن عباس والجمهور: القريب هو ما بين العبد وبين حضور الموت ومعاينة الملائكة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
إِنَّمَا
أداة حصر وقصر متضمنة إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه.
عَلَى اللَّهِ
على هنا تفيد الوجوب والالتزام، وهو وجوب تفضل وإحسان أوجبه الله على نفسه الكريمة وعداً حقاً لا حكماً يوجبه عليه أحد.
بِجَهَالَةٍ
الباء للملابسة؛ أي يلتبس حالهم بسفه وضعف عقل عند ارتكاب المعصية، فآثروا لذة فانية على بقاء دائم.
إِنَّمَا التَّوْبَةُ
كافة ومكفوفة، والتوبة مبتدأ مرفوع.
عَلَى اللَّهِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف حال أو خبر ثان.
لِلَّذِينَ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر التوبة.
فَأُولَٰئِكَ
الفاء رابطة لجواب الشرط المتضمن في الموصول، وأولئك مبتدأ، وجملة {يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} خبره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما فتح الله باب الرجوع للتائبين في الآية السابقة بقوله: {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا}، جاءت هذه الآية لتبين شروط التوبة المقبولة وضوابطها الزمنية والنفسية، وتحدد الفارق بين التوبة الصادقة المقبولة وبين توبة اليأس والاضطرار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وجوب قبول التوبة على الله عقلاً: زعمت المعتزلة أن التوبة واجبة القبول على الله تعالى بحكم العقل وجوباً جبرياً، ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى لا يجب عليه شيء بمقتضى عقول المخلوقين، بل هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة وأوجب قبول التوبة كرماً وتفضلاً وإحساناً منه، فقوله {عَلَى اللَّهِ} إيجاب فضل ووعد لا إيجاب إلزام وقهر.
التعبير بالجهالة: فيه لفتة بلاغية ونفسية دقيقة؛ فالعاصي عند إقدامه على الذنب تسكر بصيرته شهوة عاجلة فيسلك مسلك الجاهل بعظمة ربه ووعيده، ولو كان عالماً حقيقة بما يترتب على المعصية لما أقدم عليها، فالجهالة هنا جهالة عاقبة وسفه تصرف لا جهالة عدم العلم بالأمر والنهي.
اسم الإشارة للبعيد {فَأُولَٰئِكَ} للإشعار بعلو مرتبة التائبين الصادقين ورفعة درجاتهم في ساحة الرضا الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المبادرة إلى التوبة العاجلة وعدم التسويف؛ لأن الأجل مستور والموت يأتي بغتة.
تعليق القلب برحمة الله الواسعة واليقين بأن الذنوب مهما عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها لمن تاب وأناب.