صفات المتربصين المنافقين: أخرج الطبري (ج ٨، ص ٧٥٠)مصدر غير محدد٨/٧٥٠ وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد قالوا: نزلت هذه الآية في قوم من أهل مكة (كبني أسد وغطفان ونعيم بن مسعود قبل إسلامه) كانوا إذا قدموا المدينة أظهروا الإسلام ليأمنوا عند رسول الله وأصحابه على دمائهم وأموالهم، فإذا رجعوا إلى قريش في مكة سجدوا لأصنامهم وأظهروا الشرك ليأمنوا عندهم؛ فإذا دعتهم قريش إلى قتال المسلمين انغمسوا فيه وسارعوا إلى الفتنة؛ فأمر الله المؤمنين بقتالهم إن لم يعتزلوا الحرب حقيقة ويكفوا أيديهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْفِتْنَةِ
الشرك وقتال المسلمين وصد الناس عن دين الله.
أُرْكِسُوا فِيهَا
نكسوا وقلبوا وألقوا في قعرها أشد الانغماس والتلوث.
ثَقِفْتُمُوهُمْ
وجدتموهم وظفرتم بهم وأدركتموهم.
سُلْطَانًا مُّبِينًا
حجة واضحة وبرهاناً ظاهراً وإذناً شرعياً قاطعاً بقتلهم لخيانتهم.
سَتَجِدُونَ
السين للاستقبال والتحقيق، تجدون مضارع مرفوع، و{آخَرِينَ}: مفعول به أول منصوب بالياء.
يُرِيدُونَ
الجملة نعت لآخرين أو مفعول به ثان.
كُلَّ مَا
كل ظرف زمان متعلق بأركسوا، وما مصدرية ظرفية.
فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ
شرط وجوابه {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ}.
سُلْطَانًا
مفعول به ثان لجعلنا، و{مُّبِينًا}: نعت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل لأصناف المتعاملين مع الدولة الإسلامية؛ فبعد أن بين حكم المحايدين الصادقين في الآية السابقة، حذر هنا من صنف "المخادعين المتذبذبين" الذين يمارسون الحياد التكتيكي الكاذب؛ فيظهرون السلم نفاقاً ثم ينقضونه عند أول دعوة للحرب؛ فوضع لهم معياراً عملياً صارماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حزم الشريعة مع النفاق العسكري والأمني: الآية تضع حداً فاصلاً بين الحياد الحقيقي وبين الخيانة المزدوجة؛ فالشرع لا ينخدع بالكلام المعسول؛ بل يشترط لوقف القتال ثلاثة شروط عملية متحققة: الاعتزال التام، وإلقاء السلم، وكف الأيدي عن السلاح؛ فإن تخلف شرط من هذه الشروط ثبتت حرابتهم وخيانتهم واستحقوا الاستئصال؛ لأن الأمن القومي للأمة لا يحتمل التلاعب والعمالة المزدوجة.
البلاغة في التعبير بـ {أُرْكِسُوا فِيهَا}: تصوير حسي بديع لسقوطهم التام في الفتنة والشرك؛ فكأن الفتنة هوة سحيقة قلبوا فيها على رؤوسهم فغرقوا في حمأتها لعفونة بواطنهم.
التذييل بـ {سُلْطَانًا مُّبِينًا}: إشعار بأن دماءهم لم تهدر ظلماً، بل بحجة شرعية بينة وعدالة قضائية واضحة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقظة الأمنية والسياسية وعدم الانخداع بالوعود الشفهية لمن تلوثت أيديهم بالخيانة.
وضوح الرؤية والمواقف وتجنب التلون والنفاق في أوقات الأزمات الفاصلة.