{فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ}: الرحمة هي الجنة والنجاة من النار ومغفرة الذنوب، والفضل هو النعيم المقيم المضاعف والنظر إلى وجه الله تعالى.
{وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}: يوفقهم في الدنيا لسلوك طريق الحق الذي لا عوج فيه، ويثبت أقدامهم على الصراط يوم القيامة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَاعْتَصَمُوا بِهِ
الاعتصام الامتناع والتمسك بما يقي من العذاب؛ والضمير يعود على الله تعالى (أي التجأوا إليه وتوكلوا عليه)، أو يعود على النور المبين والبرهان المذكور في الآية السابقة.
صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا
طريقاً لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهو دين الإسلام القويم.
فَأَمَّا
الفاء رابطة تفريعية، أما أداة شرط وتفصيل.
الَّذِينَ
اسم موصول مبتدأ.
آمَنُوا بِاللَّهِ
جملة الصلة، والجار والمجرور متعلق بآمنوا.
وَاعْتَصَمُوا بِهِ
معطوف على آمنوا.
فَسَيُدْخِلُهُمْ
الفاء واقعة في جواب أما، السين للتنفيس والتحقيق، يدخلهم مضارع والفاعل هو الله والهاء مفعول به أول.
فِي رَحْمَةٍ
جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ أو متعلق بيدخلهم.
مِّنْهُ
نعت لرحمة.
وَفَضْلٍ
معطوف على رحمة.
وَيَهْدِيهِمْ
معطوف على سيدخلهم، والهاء مفعول أول.
إِلَيْهِ
متعلق بيهديهم.
صِرَاطًا
مفعول به ثانٍ منصوب، و{مُّسْتَقِيمًا}: نعت منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتيب الجزاء الإلهي على الاستجابة للنور والبرهان:
لما بين الله تعالى نزول البرهان والنور في الآية السابقة؛ رتّب في هذه الآية النتيجة العظمى لمن استجاب لهما؛ فجمع له بين النعيم الأخروي التام في رحمته وفضله، وبين التوفيق الدنيوي بسلوك الصراط المستقيم والثبات عليه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة الجمع بين "الهداية للصراط" ودخول "الرحمة والفضل":
يدفع الإشكال: ذكر الإمام ابن القيم في "مدارج السالكين" أن الهداية هنا جاءت متأخرة في الذكر لكنها متقدمة في الرتبة والواقع؛ وقدم الله دخول الرحمة والفضل بشارةً بالغاية العظمى ومحط الرجاء وهو الفوز بالجنة؛ ثم عطف بالهداية لبيان أن سلوك الصراط المستقيم في الدنيا بالاستمساك بالكتاب والسنة هو الشرط والوسيلة الوحيدة المؤدية إلى تلك الرحمة والفضل؛ فلا وصول إلى رحمة الله بغير الاعتصام بصراطه.
حرف الجر {فِي} لإفادة الانغماس والاستغراق {فِي رَحْمَةٍ}: استعارة تمثيلية كأن رحمة الله وفضله بحر عميق وظلال وارفة محيطة بالمؤمنين من سائر جهاتهم ينغمسون فيها ويتقلبون في نعيمها؛ وإضافة الرحمة إلى ضميره العلي {مِّنْهُ} تشريف عظيم لها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق الاعتصام التام بالله في كل النوازل والملمات، والتوكل المطلق عليه لدفع المخاوف وجلب المنافع.
الثبات على الصراط المستقيم والاستعانة بنور الوحي في زمن غربة الدين وتلاطم الأهواء.