سبب النزول وسياق الرد على اليهود: أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ٩، ص ٤٢٣-٤٣٢)جامع البيانالطبري٩/٤٢٣ وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء جماعة من أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء بعد موسى، وما أوحى الله إلى أحد بعده! فأنزل الله تعالى رداً عليهم وتكذيباً لمقالتهم: {۞ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ}؛ فبين سبحانه أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست بدعاً من الرسل، بل هي على منهاج سلسلة النبوة المتصلة المتواترة.
إيتاء داود الزبور: أخرج أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خُفف على داود عليه السلام القرآن (أي قراءة الزبور)، فكان يأمر بدوابه فتُسرج، فيقرأ الزبور قبل أن تُسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{أَوْحَيْنَا}: الوحي في لسان العرب هو إلقاء المعنى في النفس بخفاء وسرعة وإعلام خفي، وهو في الشرع: إعلام الله تعالى لأنبيائه بالشرائع والحقائق بواسطة الملك أو الإلهام أو الرؤيا الصادقة أو من وراء حجاب.
{الْأَسْبَاطِ}: جمع سبط، والسبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، وهم بطون ذرية يعقوب عليه السلام الاثنا عشر.
{زَبُورًا}: بفتح الزاي وضمها؛ قرأ حمزة بخلف عنه: {زُبُوراً} بضم الزاي جمع زَبْر وهو الكتاب المزبور المكتوب، وقرأ الجمهور {زَبُوراً} بفتح الزاي وهو اسم علم للكتاب المنزل على داود عليه السلام كالفرقان والتوراة، وهو فعول بمعنى مفعول كحَلوب ورَكوب.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّا}: حرف ناسخ، ونا اسمها في محل نصب.
{أَوْحَيْنَا}: فعل ماض وفاعله، والجملة خبر إن.
{إِلَيْكَ}: متعلق بأوحينا.
{كَمَا}: الكاف حرف جر وتشبيه، وما مصدرية، والمصدر المؤول في محل جر بالكاف متعلق بمحذوف مفعول مطلق، أي: إيحاءً كائناً كإيحائنا إلى نوح.
{إِلَىٰ نُوحٍ}: متعلق بأوحينا الثاني.
{وَالنَّبِيِّينَ}: معطوف على نوح مجرور بالياء.
{مِن بَعْدِهِ}: متعلق بمحذوف حال من النبيين.
والأسماء المعطوفة بعد ذلك مجرورة بالفتحة لأنها ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة، ما عدا {يُونُسَ} و{دَاوُودَ}.
{وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}: آتينا فعل وفاعل، داود مفعول أول، زبوراً مفعول ثانٍ منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البدء بنوح وتعداد الأنبياء ومغزاه النظمي:
بدأ الله تعالى بنوح عليه السلام؛ لأنه أول رسول بُعث إلى أهل الأرض بعد وقوع الشرك وطول الزمان، وأول من شُرعت له الشريعة والحدود، فكان أباً ثانياً للبشرية، فناسب أن يُقرن به محمد صلى الله عليه وسلم الذي أُرسل إلى الناس كافة؛ ثم عدد سائر الأنبياء لبيان أن رسالة الإسلام هي الامتداد الحي الصادق لجميع تلك النبوات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة الخصوصية القومية للنبوة:
أقام القرآن برهاناً استقرائياً عقلياً لا يدحض: إن كنتم تقرون بنبوة نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق وداود وسليمان وعيسى مع تباين زمانهم ومكانهم وأقوامهم، فلمَ تنكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟ أليس الوحي المنزل عليه من جنس الوحي المنزل عليهم، ودعوته إلى التوحيد ومكارم الأخلاق هي عين دعوتهم؟ فتحكّمكم بإنكار نبوته مع إقراركم بنبوة هؤلاء تحكّم متناقض يسقطه العقل السليم.
التشبيه الإفرادي والجامع التشريعي {كَمَا أَوْحَيْنَا}: يفيد التشبيه تماثل الأصل والمصدر والحقيقة؛ فالمرسِل واحد، والمقصد واحد، والغاية واحدة، وهو تسلية عظيمة لقلب النبي صلى الله عليه وسلم بأن له في إخوانه الأنبياء أسوة وسلفاً صادقاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رسوخ عقيدة وحدة النبوة ورابطة الإيمان الممتدة عبر تاريخ البشرية؛ فالمسلم يشعر بالانتماء لكل نبي ورسول ويثق بأن موكب الحق واحد.
التعلق بكتب الله المنزلة وتوقير وحيه، والاستمساك بالقرآن المهيمن على الكتب السالفة.