أخرج الطبري (ج ٩، ص ٤٥٧-٤٦٢)مصدر غير محدد٩/٤٥٧ وابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي: نزلت الآية في زعماء اليهود ورؤوس الشرك الذين جمعوا بين كفرهم في خاصة أنفسهم، وبين صد غيرهم عن الدخول في الإسلام وتحريف صفة النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم؛ فكان ضلالهم مضاعفاً لا يقارب الرجوع إلى الهدى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَصَدُّوا
الصد هنا متعدٍّ؛ أي منعوا الناس وصرفوهم عن دين الله بالدسائس والتخويف والرشوة وكتمان الشهادة؛ ويحتمل أن يكون لازماً أي أعرضوا هم واعتزلوا الحق.
ضَلَالًا بَعِيدًا
الضلال هو التيه والعدول عن الصراط المستقيم؛ ووصفه بالبعد مبالغة في تناهيه في الهلاك، كالذي ضل في فيافٍ مقفرة بعيدة المهالك لا يُرجى خلاصه.
إِنَّ
حرف ناسخ.
الَّذِينَ
اسمها في محل نصب.
كَفَرُوا
جملة الصلة لا محل لها.
وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ
معطوف على كفروا، والجار والمجرور متعلق بصدوا.
قَدْ ضَلُّوا
قد حرف تحقيق، ضلوا فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر إن.
ضَلَالًا
مفعول مطلق مؤكد منصوب بالفتحة.
بَعِيدًا
نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الصارخة بين نور الشهادة وظلمات الضلال:
بعد أن قرر في الآية السابقة شهادة الله وملائكته بصدق الرسول والكتاب، بيّن هنا المصير المظلم للمكذبين الذين تمردوا على هذه الشهادة العظمى وسعوا في الأرض فساداً لمنع النور من الوصول إلى قلوب العباد، فحكم عليهم بالضلال الميؤوس منه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا كان ضلال الصادّين عن السبيل بعيداً دون غيرهم؟:
يدفع الإشكال: لأن مجرد الكافر قد يرجع إلى رشده إذا أعمل عقله أو لاحت له بارقة من الحق؛ أما من نصب نفسه جندياً للشيطان يصد الناس عن الحق، ويختلق الشبهات، ويشتري بآيات الله ثمناً قليلاً؛ فقد استحكمت في نفسه نزعة العناد والمصالح الفاسدة، وانطمست بصائره، فصار رجوعه إلى الحق أمراً بالغ الصعوبة والاستحالة عادةً، فناسب وصف ضلاله بالبعد الشاسع عن جادة النجاة.