تجديد الإيمان ورسوخه وأركان العقيدة الخمسة: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: الخطاب للمؤمنين الصادقين؛ والمعنى: يا أيها الذين صدقوا وأقروا بقلوبهم، اثبتوا على إيمانكم، وداوموا عليه، وجددوا يقينكم، وحققوا شروطه بالاستمساك بالله ورسوله والقرآن والكتب السابقة؛ وقيل: نداء لمن آمن ببعض الكتب كأهل الكتاب، أن يؤمنوا بمحمد وبالقرآن وبجميع الرسل.
أركان الإيمان الخمسة في الآية: أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، رقم ٨)مصدر غير محددحديث رقم ٨ في حديث جبريل المشهور لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، وجاءت هذه الآية جامعة لأركان الإيمان الكبرى.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: {نُزِّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ} بضم النون والألف مبنياً للمجهول في الفعلين.
وقرأ الباقون: {نَزَّلَ... أَنزَلَ} بفتح النون والهمزة مبنياً للفاعل وهو الله عز وجل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
آمَنُوا آمِنُوا
الأول إخبار بالدخول في أصل الإيمان، والثاني أمر بالثبات والدوام والارتقاء في درجات اليقين والعمل.
نَزَّلَ
التضعيف يفيد التنزيل منجماً مفرقاً بحسب الوقائع وهو القرآن الكريم.
أَنزَلَ
بالتخفيف يفيد الإنزال جملة واحدة كالكتب السابقة (التوراة والإنجيل والزبور).
آمِنُوا
فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
بِاللَّهِ
متعلق بآمنوا.
وَالْكِتَابِ
معطوف مجرور، و{الَّذِي}: نعت.
وَمَن يَكْفُرْ
اسم شرط جازم مبتدأ، يكفر فعل الشرط.
فَقَدْ ضَلَّ
الجملة في محل جزم جواب الشرط.
ضَلَالًا
مفعول مطلق، و{بَعِيدًا}: نعت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترسيخ لقواعد البناء العقدي للمجتمع المسلم؛ فبعد أن أمرهم بأشق التكاليف القضائية (الشهادة على النفس والأهل)، ثبت أقدامهم بالأمر بتجديد أصل الإيمان والثبات عليه؛ لأن المشاق التكليفية لا تحتمل إلا بيقين عقدي راسخ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ترابط أركان الإيمان وبطلان التبعيض: الآية تقرر أصلاً منطقياً وعقدياً حاسماً: أن الإيمان كلٌّ لا يتجزأ؛ فمن كفر بركن واحد من هذه الأركان (كإنكار الملائكة، أو الكتب، أو الرسل، أو البعث) فقد كفر بالجميع وضل ضلالاً بعيداً؛ لأن مصدر الإيمان واحد وهو خبر الصادق سبحانه؛ فالإيمان بالرسل يقتضي الإيمان بالكتب والملائكة واليوم الآخر حتماً.
البلاغة في التفرقة بين {نَزَّلَ} و{أَنزَلَ}: دقة بيانية معجزة فرقت بين أسلوب نزول القرآن منجماً عبر ٢٣ سنة لمواكبة التربية والتثبيت ({نَزَّلَ})، وبين نزول الكتب السابقة جملة واحدة على أنبيائها ({أَنزَلَ}).
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دوام تجديد الإيمان في القلوب بالدعاء والاستغفار وسماع القرآن الكريم وتدبره.
الحذر من كل شبهة أو فكر يشكك في أي أصل من أصول العقيدة وأركان الإيمان الكبرى.