أخرج الطبري (ج ٩، ص ٤٧٤-٤٨١)مصدر غير محدد٩/٤٧٤ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: بعد أن خاصم القرآن اليهود وفضح النفاق وأقام البراهين على بطلان دعاوى المشركين؛ توجّه بالخطاب العام المستغرق لجميع بني آدم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} مؤكداً أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم رسالة عامة لكل أحمر وأسود وليست خاصة بالعرب.
وروى مسلم في "صحيحه" (رقم ٥٢١)مصدر غير محددحديث رقم ٥٢١ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُعطيت خمساً لم يُعطهن أحد قبلي... وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{بِالْحَقِّ}: الحق هو الأمر الثابت الواقع الصادق المطابق للواقع تنزيهاً عن الباطل والعبث؛ والباء للملابسة أي مصحوباً بالحق في عقائده وأحكامه وأخباره.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ}: يا أداة نداء، أي منادى مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه، والناس عطف بيان أو بدل مرفوع بالضمة.
{قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ}: قد حرف تحقيق، جاء فعل ماض والكاف مفعول به، الرسول فاعل مرفوع.
{بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ}: متعلقان بمحذوف حال من الرسول أو بمحذوف مفعول به لـ جاءكم.
{فَآمِنُوا}: الفاء فصيحة، آمنوا فعل أمر وفاعله.
{خَيْرًا لَّكُمْ}: منصوب على أنه:
مفعول به لفعل محذوف تقديره: "ائتوا أمراً خيراً لكم"، وهو الوجه المشهور عند سيبويه والفراء وجمهور النحاة.
أو خبر لكان المحذوفة مع اسمها، أي: "يكن الإيمان خيراً لكم".
أو نعت لمصدر محذوف، أي: "إيماناً خيراً لكم".
{وَإِن تَكْفُرُوا}: شرطية، تكفروا فعل الشرط مجزوم.
{فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، والجملة في محل جزم؛ لله خبر مقدم، ما اسم موصول اسم إن مؤخر، وجملة الصلة محذوفة (استقر في السماوات)، والأرض معطوفة عليها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من المحاجة الخاصة إلى النداء العالمي العام:
براعة نظم بديعة؛ حيث ختمت الآيات الطويلة من محاجة أهل الكتاب والمنافقين بهذا النداء الإنساني الحاسم لكل البشرية؛ لتقرير أن القضية ليست نزاعاً بين أديان تاريخية، بل هي نداء النجاة النهائي من الخالق الرحيم لجميع خلقه لاتباع الرسول الحق قبل حلول الحساب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استغناء الإله ومصلحة العباد في التكليف:
يدفع الإشكال: جمعت الآية برهاناً عقلياً عظيماً؛ فقوله {فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ} يثبت أن ثمرة الإيمان ومنافعه عائدة بالكلية إلى العباد أنفسهم؛ وقوله {وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يثبت غنى الله المطلق عن خلقه؛ فكفرهم لا ينقص من ملكه ذرة، وطاعتهم لا تزيد في سلطانه شيئاً؛ فالأمر والنهي تفضل ورحمة لإسعاد الإنسان لا لحاجة الرب سبحانه وتعالى.