استثناء أهل العهد والحياد: أخرج ابن جرير الطبري (ج ٨، ص ٧٣٠-٧٤٥)مصدر غير محدد٨/٧٣٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في استثناء صنفين من القتل:
الصنف الأول: قوم اتصلوا ولجؤوا إلى قبيلة أو قوم بينكم وبينهم معاهدة وميثاق أمان ومهادنة (كهلال بن عويمر الأسلمي وبني مدلج)، فيأخذون حكم حلفائهم في حقن الدماء.
الصنف الثاني: قوم ضاقت صدورهم وتحرجوا من قتال المسلمين لميلهم إليهم، وتحرجوا من قتال قومهم المشركين لقرابتهم منهم؛ فاعتزلوا الحرب تماماً ورغبوا في الحياد وحقن الدماء؛ فأمر الله بالكف عنهم وقبول حيادهم.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ الجمهور: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} بفعل ماض مبني على الفتح.
وقرأ يعقوب والحسن: {حَصِرَةً صُدُورُهُمْ} بالتنوين والنصب على الحال، وصدورهم فاعل للصفة المشبهة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَصِلُونَ
الاتصال والانتساب والالتجاء؛ وصل إليه إذا انتمى إليه ودخل في حلفه وجواره.
مِّيثَاقٌ
عهد مؤكد بالأيمان وأمان ومهادنة.
حَصِرَتْ
الحصر في اللغة الضيق؛ حصر صدره إذا ضاق وعجز عن الانشراح.
إلا أداة استثناء، والذين اسم موصول في محل نصب على الاستثناء من الضمير في خذوهم واقتلوهم.
حَصِرَتْ
فعل ماض، وجملة حصرت حالية بتقدير "قد" عند الجمهور (أي قد ضاقت صدورهم)، أو دعائية.
أَن يُقَاتِلُوكُمْ
مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض (أي عن قتالكم)، أو مفعول لأجله (كراهة أن يقاتلوكم).
فَمَا جَعَلَ
الفاء رابطة للجواب، ما نافية، وجعل فعل ماض، والسبيل مفعول به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص هو قمة التشريع الإسلامي في فقه المعاهدات وقواعد الاشتباك والحياد الدولي؛ فبعد أن أطلق الأمر بقتال المرتدين المحاربين، قيده مباشرة بهذا الاستثناء الدقيق حفظاً للعهود ورعاية لأهل الحياد، ليعلم العالم أن السيف في الإسلام لا يوجه إلا لمن شهر السلاح وقاتل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
احترام المواثيق الدولية والحياد في الفقه الإسلامي: الآية تدحض فرية المستشرقين القائلة بأن الإسلام يقاتل كل من لا يسلم؛ فالآية نصت صراحة على أن من دخل في حلف معاهد، أو اعتزل الحرب وكف يده ورغب في السلم، حرم قتاله تحريماً قاطعاً: {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا}؛ فالقتال في الإسلام معلل بالعدوان والحرابة وليس بمجرد الكفر؛ والوفاء بالعهود والمواثيق أصل قطعي لا يجوز نقضه.