قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (شعبة): ﴿وَسَيُصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ بضم الياء مبنياً لما لم يسم فاعله؛ أي ويصليهم الله نكاله وسعيره.
وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر): ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ بفتح الياء ثلاثياً مبنياً للمعلوم من (صَلِيَ يَصْلَى)؛ أي يدخلونها ويقاسون حرها وحريقها، وكلتا القراءتين سبعيتان متواترتان عظيمتان في الوعيد (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٦١؛ حجة القراءات، ص١١٩).
أسباب النزول وسياق الأثر:
أشد وأخوف وعيد نزل في القرآن الكريم في عقوبة التعدي على أموال اليتامى؛ أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٦، ص٤٢٥)مصدر غير محدد٦/٤٢٥ عن السدي قال: "يُبعث آكل مال اليتيم ظلماً يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأنه آكل مال اليتيم".
وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، رقم: ٢٧٦٦) ومسلم (كتاب الإيمان، رقم: ٨٩)مصدر غير محددحديث رقم ٨٩ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات! قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يأكلون
التعبير بالأكل لأنه أعظم وأشيع وجوه الانتفاع بالمال المحرم؛ وإلا فالسرقة والإتلاف والغصب والتبديد حكمه حكم الأكل سواء.
ظلماً
بغير حق واعتداءً وعدواناً؛ قيد احترازي يخرج ما يأكله الولي الفقير بالمعروف كما أذن الله.
إنما يأكلون في بطونهم ناراً
ما يبتلعونه من مال اليتيم سينقلب عليهم ناراً تلتهب في أجوافهم وبطونهم في جهنم، أو سمي المال الحرام ناراً لأنه يؤول بصاحبه حتماً إلى النار.
حال منصوبة من واو الفاعل (أي ظالمين)، أو مفعول لأجله، أو مفعول مطلق.
إِنَّمَا يَأْكُلُونَ
كافة ومكفوفة تفيد الحصر، يأكلون مضارع وفاعله.
فِي بُطُونِهِمْ
جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بيأكلون (والظرفية مجازية أو حقيقية).
نَارًا
مفعول به ليأكلون منصوب بالفتحة، والجملة في محل رفع خبر إنّ.
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
الواو عاطفة، السين للاستقبال والوعيد المؤكد، يصلون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل (أو نائب فاعل بضم الياء)، سعيراً مفعول به منصوب (أو مفعول مطلق).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ختام زاجر مروع لعشر آيات كاملة أسست لحقوق اليتامى والضعفاء في مستهل سورة النساء؛ فبعد أن أمرهم بالعدل، ونهاهم عن التبديل، وحذرهم من الجور، واستثار عواطفهم بالخوف على ذرياتهم الضعاف، جاء هذا النص الصاعق ليقطع كل طمع في مال اليتيم؛ فصوّر الجريمة في أقبح صورة ينفر منها الطبع: إن ما تبتلعونه من لقيمات ودراهم لليتيم ليست طعاماً هنيئاً، بل هي جمرات جهنم وكتل من النار الحارقة تصبونها في بطونكم، ومصيركم المحتوم هو الاحتراق في السعير!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حقيقة قوله ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾: حقيقة أم مجاز؟:
فيه وجهان بلاغيان وتحقيقيان عظيمان عند أهل السنة:
الوجه الأول (المجاز المرسل باعتبار المآل): سمى المال المغصوب الحرام "ناراً"؛ لأن أكل هذا المال سبب مباشر وحتمي لدخول النار والشواء فيها؛ كتسمية الخمر بالدم، وتسمية المطر بالسماء.
الوجه الثاني (الحقيقة الأخروية): أن هذا المال الحرام ينقلب يوم القيامة بذاته ناراً حقيقية تؤجج في بطونهم وأجوافهم وتخرج من أفواههم كما دل عليه حديث السدي والآثار؛ والقدرة الإلهية تقلّب الأعيان بمقتضى العدل والجزاء من جنس العمل؛ وكلا المعنيين يقرر فظاعة الجريمة وهول عاقبتها (تفسير القرطبي، ج٥، ص٥٤؛ مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص٢١٠).
ذكر (البطون) في قوله ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾: تأكيد وتجسيد شنيع لملء الأجواف بالخبيث؛ ولبيان أن بطونهم التي شبعت بالحرام ستكون هي موضع العذاب الأليم ومقر الاشتعال.
أسلوب الحصر بـ ﴿إِنَّمَا﴾: لبيان أن آكل مال اليتيم لا يجني من فعله إلا النار المحضة المحققة، فلا خير فيه بوجه من الوجوه.
التذييل المؤكد بالسين ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾: لإفادة التحقيق والاقتراب؛ فكل ما هو آتٍ قريب، والسعير بانتظارهم وبئس المصير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف الشديد والارتعاد من لمس مال اليتيم بغير حق؛ فإنه إحدى الموبقات السبع المهلكات في الدنيا والآخرة.
صيانة أموال القاصرين والمستضعفين في كل مؤسسة ومحكمة ومجتمع؛ فإن أكلها استجلاب لغضب الله وناره.