وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
قصة عمر بن الخطاب مع المرأة: أخرج عبد الرزاق في مصنفه (رقم ١٠٤٢٠)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٤٢٠، وسعيد بن منصور في سننه، والبيهقي (ج ٧، ص ٢٣٣)مصدر غير محدد٧/٢٣٣ عن الشعبي وغيره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس فقال: «ألا لا تغالوا في صدق النساء، فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا أُصدقت امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية»، فقامت إليه امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يغالوا في مهور النساء؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وما هو؟ قالت: أما سمعت الله يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}؟ فقال عمر: «كل الناس أفقه من عمر، امرأة أصابت ورجل أخطأ!».
تفسير السلف: قال ابن عباس وقتادة والجمهور: الآية تدل على أنه إذا طلق الرجل امرأته من غير بأس ولا نشوز منها، فلا يحل له أن يأخذ من مهرها قليلاً ولا كثيراً ولو كان المال المدفوع قنطاراً عظيماً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ
الاستبدال مفارقة زوجة والزواج بأخرى بدلاً منها.
قِنطَارًا
المال الكثير العظيم، وقيل ملء مسك ثور ذهباً، والغاية منه بيان المبالغة في الكثرة.
بُهْتَانًا
البهتان هو الباطل الذي يُبهت صاحبه ويحيره لشناعته وظلمه.
مُّبِينًا
واضحاً جلياً في قبحه وإثمه.
وَإِنْ أَرَدتُّمُ
الواو عاطفة، إن شرطية، أردتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط.
اسْتِبْدَالَ
مفعول به، و{زَوْجٍ} مضاف إليه.
مَكَانَ
ظرف مكان متعلق باستبدال.
فَلَا تَأْخُذُوا
الفاء رابطة لجواب الشرط، ولا ناهية، تأخذوا فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والجواب في محل جزم.
بُهْتَانًا
حال منصوبة، أو مفعول لأجله، أو مفعول مطلق لفعل محذوف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما نهى في الآية السابقة عن عضل النساء لأخذ بعض ما آتين، أتبع ذلك ببيان حالة الاستبدال المحض برغبة الزوج؛ فبين أن المهر حق لازم استقر للمرأة ولا يجوز استرداد شيء منه ولو بلغ أعلى مقادير الثروة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
جواز المغالاة في المهور واستحباب التيسير: دلت الآية نصاً على جواز إعطاء المهر الكثير دون تحديد سقف أعلى؛ لأن الله تعالى مثل بالقنطار ولم ينكره، غير أن السنة النبوية دعت إلى التيسير وجعلت بركة النكاح في يسره؛ فالجواز التشريعي شيء، والإرشاد النبوي التيسيري المقاصدي شيء آخر؛ فلا تعارض بينهما.