وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
أرجى آية في كتاب الله لأهل التوحيد: أخرج أحمد في مسنده (رقم ٢١٥٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٥٨ والحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وقاذف المحصنة، وشاهد الزور، حتى نزلت هذه الآية في سورة النساء: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}، فأمسكنا عن الشهادة وتوقفنا في الشهادة بالجنة والنار ورجونا لأهل الكبائر».
أخرج الترمذي (رقم ٣٠٣٧)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٣٧ وحسنه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}».
أجمع السلف وأهل السنة والجماعة على أن المشرك إذا مات على شركه ولم يتب فإنه مخلد في النار ولا يغفر له أبداً، وأن من مات موحداً من أهل الكبائر فهو تحت مشيئة الله في القيامة؛ إن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم أدخله الجنة بالتوحيد، وإن شاء غفر له ابتداءً برحمته وفضله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَن يُشْرَكَ بِهِ
الشرك هو اتخاذ شريك أو ند مع الله في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
مَا دُونَ ذَٰلِكَ
أي ما هو دون الشرك من الكبائر والصغائر من المعاصي والذنوب.
افْتَرَىٰ
الافتراء هو اختلاق الكذب المتعمد الفاحش.
إِنَّ اللَّهَ
إن واسمها، وجملة {لَا يَغْفِرُ} خبرها.
أَن يُشْرَكَ
مصدر مؤول في محل نصب مفعول به ليغفر (أي لا يغفر الإشراك به).
مَا دُونَ
ما اسم موصول مفعول به ليغفر الثانية، ودون ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول.
لِمَن يَشَاءُ
متعلق بيغفر.
إِثْمًا
مفعول به ثان لافترى أو مفعول به أول إن كان الافتراء بمعنى الاكتساب، و{عَظِيمًا} نعت له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص الإلهي المحكم هو ميزان المغفرة الربانية وقانون الحساب الأخروي؛ فبعد أن هدد أهل الكتاب باللعن والطمس، أوضح أن الذنب الوحيد الذي لا تلحقه المغفرة بعد الموت هو الشرك والكفر بالله؛ أما سائر الذنوب فهي في دائرة المشيئة والرجاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد الحاسم على الخوارج والمعتزلة: استدل أهل السنة بهذه الآية الصريحة على بطلان عقيدة الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد مرتكب الكبيرة في النار؛ فالآية فرقت تفريقاً قاطعاً بين الشرك الذي نصت على عدم غفرانه، وبين ما دونه من المعاصي التي نصت على جواز مغفرتها بالمشيئة، فلو كان مرتكب الكبيرة مخلداً في النار كالمشرك لما كان للتفريق بينهما أي معنى في لغة القرآن المحكمة.
الجمع بين الآية وبين آية الزمر {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}: آية الزمر في حق التائبين؛ فمن تاب من الشرك أو الكبائر قبل موته غفر الله له بالإجماع، أما هذه الآية في النساء فهي في حق من مات ولم يتب؛ فالشرك لا يغفر له، وما دونه تحت المشيئة.
الحصر والتقسيم المنطقي المحكم: تقسم الآية الذنوب إلى قسمين لا ثالث لهما: شرك محكوم عليه بالخلود الأبدي، وما دونه موكول إلى رحمة أرحم الراحمين ومشيئته الحكيمة، مما يملأ قلب الموحد خوفاً من الشرك ورجاءً لمغفرة الذنوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق التوحيد الخالص وتصفيته من شوائب الشرك الأكبر والأصغر والخفي.
فتح باب الرجاء أمام المذنبين والمفرطين لئلا يقنطوا من رحمة الله، مع الحذر التام من الاتكال على المشيئة وترك التوبة.