أخرج الطبري (ج ٩، ص ٣٦٦-٣٦٨)مصدر غير محدد٩/٣٦٦ وابن أبي حاتم عن ابن عباس والسدي وقتادة: المراد بالبهتان العظيم رميهم الصديقة الطاهرة مريم البتول بالزنا والفاحشة حين جاءت بعيسى عليه السلام تحمله؛ فقالوا لها: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}؛ فأنطق الله وليدها في المهد ببراءتها وطهارتها وإثبات نبوته؛ ومع ذلك أصر أئمة الكفر منهم على فرية الزنا وتسميته ابن زنا قبحهم الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بُهْتَانًا
البهتان هو الكذب الفظيع الذي يبهت سامعه ويدهشه لشدة افترائه وقبحه ووضوح بطلانه.
عَظِيمًا
وصف البهتان بالعظم لتناهيه في القبح، إذ طعن في طهارة أعظم نساء العالمين وافترى على آية الله المعجزة.
وَبِكُفْرِهِمْ
الواو عاطفة، الجار والمجرور معطوف على {فَبِمَا نَقْضِهِم}.
وَقَوْلِهِمْ
معطوف على كفرهم، والهاء مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.
عَلَىٰ مَرْيَمَ
متعلقان بقولهم.
بُهْتَانًا
مفعول به للمصدر "قولهم" أو مفعول مطلق نائب عن المصدر.
عَظِيمًا
نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إفراد هذه الجريمة بالذكر بعد الكفر العام:
بعد أن ذكر القرآن كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء؛ خص جريمتهم النكراء في حق مريم وعيسى عليهما السلام بالذكر والتنصيص؛ لبيان مدى انحدارهم الأخلاقي وتجرئهم على خرق كل الحرمات الإنسانية والشرعية بطعن العفيفات المصطفيات بالباطل الصراح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض فرية اليهود في حق مريم العذراء:
محاكمة عقلية وتاريخية حاسمة: إن مريم عليها السلام نشأت في محراب العبادة تحت كفالة زكريا النبي عليه السلام، وعُرفت بالطهر والعفاف والتقوى والنسك باعتراف قومها جميعاً؛ وحين حملت وولدت خارقاً للعادة، أنطق الله وليدها في المهد صبياً شاهداً بعبوديته لله وبراءة أمه؛ وإنكارهم لهذه المعجزات وافتراؤهم الفاحشة ليس إلا نتاج الحقد والحسد لنزع النبوة من ذرية ملوكهم وأحبارهم المستبدين.
تنكير {بُهْتَانًا} ووصفه بـ {عَظِيمًا}: أفاد التنكير التعظيم والتهويل، والوصف بالعظم بيّن استبشاع الجريمة في الملأ الأعلى؛ وفيه انتصار إلهي دائم لعرض الصديقة مريم يتردد عبر الأجيال والقرون في كتاب يتلى إلى يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حرمة الخوض في أعراض الصالحين والأبرياء، وبيان أن قذف المحصنات من أعظم الكبائر الموبقة للجماعات والأمم.
نصرة الحق والمظلوم وإظهار براءة أولياء الله في وجه حملات التشويه الممنهجة.