أخرج الطبري (ج ٩، ص ٤٦٩-٤٧٣)مصدر غير محدد٩/٤٦٩ وابن كثير عن قتادة: بيّن الله تعالى أن الطريق الوحيد الذي سيهدون إليه جزاء كفرهم وظلمهم هو طريق جهنم، يقادون إليها زمراً، فيخلدون في دركاتها أبداً لا ينقطع عذابهم ولا ينفد.
وفي قوله {وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}: أي هين لا يتعاظمه شيء، ولا يعجزه خلقه ولا تعذيبهم، فهو القاهر فوق عباده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
جَهَنَّمَ
اسم لدار العذاب، قيل مشتق من الجهومة وهي الغلظة والظلمة وتجهم الوجه، وقيل اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.
أَبَدًا
اسم زمان للمستقبل المستمر الذي لا نهاية له، مفيد لتأبيد الخلود واستمراره.
يَسِيرًا
هيناً سهلاً غير شاق ولا ممتنع.
إِلَّا
أداة استثناء.
طَرِيقَ جَهَنَّمَ
استثناء متصل أو منقطع منصوب بالفتحة على الاستثناء من "طريقاً" في الآية السابقة؛ أو بدل منصوب منه.
خَالِدِينَ فِيهَا
حال منصوبة بالياء من الضمير المجرور في "لهم"، وفيها متعلق بخالدين.
أَبَدًا
ظرف زمان منصوب متعلق بخالدين.
وَكَانَ ذَٰلِكَ
الواو استئنافية، كان واسمها وهو اسم إشارة عائد إلى الحكم بالخلود والعذاب.
عَلَى اللَّهِ
متعلق بيسيراً.
يَسِيرًا
خبر كان منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فصل الاستثناء بعد النفي المستغرق:
لما نفى الله تعالى أن يهديهم طريقاً إلى الجنة أو إلى الخير؛ استثنى طريقاً واحداً مهلكاً وهو طريق جهنم الموصل إلى العذاب السرمدي، مبيناً كمال قدرته وهيمنته بختام الآية {وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: كيف يكون العذاب الأبدي عدلاً في مقابل معصية استغرقت عمراً محدوداً؟:
يدفع الإشكال: حرر المحققون -كالحسن البصري وابن القيم والرازي- حكمة الخلود الأبدي: إن الجزاء مبني على "النية والقرار الداخلي الدائم" للمكلف؛ فالكافر المستكبر نوى وعزم على البقاء على كفره لو خُلّد في الدنيا آلاف السنين كما قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}؛ فلما كانت نيته وإرادته للكفر أبدية غير قابلة للتحول، جوزي بعذاب أبدي دائم جزاء وفاقاً لنيته الباطلة وعزيمته الفاسدة.
التهكم والتبكيت في الاستثناء {إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ}: أسلوب بلاغي رفيع يسمى تأكيد الذم بما يشبه المدح، أو التهكم؛ كأنه قيل: لا يهدون إلى طريق ألبتة إلا الطريق الذي يقودهم إلى الهلاك المحتوم؛ وذكر {أَبَدًا} يقطع كل أمل في التخفيف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ عقيدة الخوف من نار جهنم وأهوالها، والفرار إلى الله بطاعته وتوحيده.
اليقين بأن قدرة الله نافذة في خلقه لا يعجزها تدبير ولا يثقلها إنفاذ العقاب في المتجبرين.