استثناء المنصفين من أهل الكتاب وثباتهم على الإيمان:
أخرج الطبري (ج ٩، ص ٤١٣-٤٢٢)مصدر غير محدد٩/٤١٣ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: لما ذكر الله مساوئ كفار أهل الكتاب وعقوباتهم؛ استثنى أهل الفضل والإنصاف الذين رسخ العلم الحق في قلوبهم فلم تغيره الأهواء، كعبد الله بن سلام وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم من أحبارهم، ومعهم المؤمنون من المهاجرين والأنصار الذين آمنوا بالقرآن وما سبقه من الكتب.
توجيه إعراب {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} في الآثار:
روى الطبري بسند صحيح عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} منصوب على المدح والاختصاص؛ كعادة العرب في قطع النعت إلى النصب تعظيماً لشأنه وإبرازاً لفضله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{الرَّاسِخُونَ}: من الرسوخ، وهو الثبوت والتمكن في الشيء كرسوخ الجبال الشم في الأرض، والمراد العلماء المتمكنون في العلم النافع المؤدي إلى الخشية والعمل.
{الْمُقِيمِينَ}: من الإقامة، وهي أداء الصلاة بحدودها وأركانها وخشوعها وآدابها كاملة مستقيمة.
الإعراب والتركيب والمحاكمة النحوية:
{لَّٰكِنِ}: حرف استدراك مهمل لا يعمل.
{الرَّاسِخُونَ}: مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{فِي الْعِلْمِ}: متعلق بالراسخون.
{مِنْهُمْ}: متعلق بمحذوف حال.
{وَالْمُؤْمِنُونَ}: معطوف على الراسخون مرفوع بالواو.
{يُؤْمِنُونَ}: فعل مضارع وفاعله، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ أو حال.
{وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ}:
الوجه المشهور عند أئمة النحو البياني (وهو مذهب سيبويه والخليل والفراء والكسائي والزجاج والطبري): منصوب على المدح والاختصاص بفعل محذوف تقديره "أمدح المقيمين الصلاة"، وقُطعت عن الرفع للدلالة على شرف الصلاة وعلو رتبتها بين العبادات.
وقيل: معطوف على الموصول في {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ}؛ أي يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة (وهم الملائكة أو الأنبياء).
وقيل: معطوف على الضمير المجرور في {مِنْهُمْ} أي: من الراسخين ومن المقيمين. والوجه الأول (النصب على المدح) هو الأفصح والأعلى في البلاغة القرآنية.
{وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}: معطوف على الراسخون مرفوع بالواو عوداً إلى الأصل بعد إتمام المدح.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإنصاف القرآني المطلق ورفع الأبرار:
ضرب القرآن أروع الأمثلة في الإنصاف والعدالة الموضوعية؛ فحين قرر شنائع كفار أهل الكتاب لم يعمم الحكم على جنسهم، بل فتح باب الاستدراك بـ {لَّٰكِنِ} ليثني على علمائهم المنصفين الذين حررهم العلم من رق التعصب، فجمعهم مع المؤمنين في نسق التكريم والوعد بالأجر العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الملاحدة والمستشرقين في رسم {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ}:
يدفع الإشكال: طعن بعض الجهلة في فصاحة التعبير القرآني مدعين وجود لحن في نصب {الْمُقِيمِينَ} بين مرفوعات؛ وهذا جهل مركب بقواعد لسان العرب وأسرار بلاغتهم؛ فالقطع على المدح أو الذم أسلوب عربي مشهور نزل به القرآن وشهدت به فحول شعراء الجاهلية كقول الشاعر:
«إلى الملكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ... ولَيْثَ الكَتيبةِ في المُزْدَحَمْ»
فنصب "ليث الكتيبة" مدحاً واختصاصاً بعد المجرورات؛ وقد أجمع الصحابة على هذا الحرف في المصحف الإمام وتواتر عن السبعة جيلاً بعد جيل، ومغزاه البياني هو إفراد عمود الدين (الصلاة) بلفت انتباه السامع بنبرة إعرابية خاصة تدل على عظمتها البالغة.
روعة النظم في أسلوب الاختصاص: تحريك الذهن بكسر الرتابة الإعرابية؛ فتغيير الإعراب من الرفع إلى النصب ثم العود إلى الرفع أحدث إيقاعاً تنبيهياً يهز وجدان السامع ليدرك أن شأن إقامة الصلاة شأن عظيم لا يُقاس بغيره؛ وتكرار لفظ الإيمان لتوثيق الصلة بين العلم والعمل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ منهج الإنصاف والموضوعية، فلا يجوز طمس حسنات المحسنين بجريرة المفسدين من قومهم.
اقتران الرسوخ في العلم بالعمل الصالح وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فالعلم بلا عمل شجرة بلا ثمر.