وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
فضل العفو عند المقدرة:
أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم 2588)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٨٨ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عِزّاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».
وروى أحمد في "المسند" (رقم 15610)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ١٥٦١٠ وأبو داود والترمذي وحسنه، عن سهل بن معاذ عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كتم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من أي الحور العين شاء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تُبْدُوا}: الإبداء هو الإظهار والإبراز، وضده الإخفاء والستر.
{عَفُوًّا}: صيغة مبالغة على وزن فعول من العفو، وهو محو أثر الذنب والتجاوز عن العقوبة مع القدرة على إنفاذها.
{قَدِيرًا}: فعيل للمبالغة من القدرة؛ أي بالغ الاقتدار لا يعجزه شيء.
الإعراب والتركيب:
{إِن}: حرف شرط جازم.
{تُبْدُوا}: فعل الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{خَيْرًا}: مفعول به منصوب.
{أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ}: معطوفات على فعل الشرط.
{فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط؛ عَفُوّاً خبراً أول لكان، وقديراً خبراً ثانياً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الترقي من العدل إلى الإحسان:
بعد أن رخّص الله للمظلوم في الآية السابقة أن يجهر بالسوء وأن ينتصف لنفسه (وهو مقام العدل والإنصاف المباح)؛ رغّبه في هذه الآية بالارتقاء إلى مقام الإحسان والفضل، وهو العفو والصفح؛ فبين أن التجاوز عن الظالم أفضل وأرجى لثواب الله ومغفرته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل العفو يورث المذلة ويشجع الظلمة على التمادي؟:
يدفع الإشكال: حرر المحققون كابن تيمية في "جامع المسائل" أن العفو المحمود شرعاً هو العفو المقرون بالإصلاح والمقدرة، كما قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}؛ أما إذا كان الظالم فاسقاً متمادياً في شره لا يزيده العفو إلا طغياناً، فالأفضل في حقه الإنصاف وردعه بحكم الشرع صيانةً للنظام وحمايةً للضعفاء.
الاقتران الإلهي المعجز بين {عَفُوًّا} و{قَدِيرًا}: تعريض بديع بالحث على الاقتداء بكمال الصفة؛ فالله جل جلاله يعفو عن عباده وهو قادر على سحقهم وتبديدهم؛ فالعبد مأمور أن يعفو حين يقدر على الانتصار، إذ العفو مع العجز ضعف واستكانة، أما العفو مع المقدرة فهو عين المجد ومناط العزة الإيمانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توطين النفس على مكارم الأخلاق وسلامة الصدر والتسامي فوق حظوظ الأنا ورغبة التشفي.
اليقين بأن جزاء العفو عن الخلق عفوٌ تام من الخالق القادر يوم الفاقة والحساب.