سبب النزول ومطالب التعنت: أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ٩، ص ٣٣٦-٣٤٥)جامع البيانالطبري٩/٣٣٦ وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي ومجاهد: جاء جماعة من أحبار اليهود -منهم كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت صادقاً بأنك نبي من عند الله، فأتنا بكتاب مكتوب من السماء جملة واحدة كما أتى به موسى بالتوراة في الألواح دفعة واحدة، فأنزل الله تعالى تسلية لنبيه وفضحاً لجذور التعنت المتأصلة في أسلافهم؛ فإن سؤالهم هذا ليس لطلب الهدى، بل هو امتداد لعناد أسلافهم الذين اقترحوا على موسى ما هو أشنع وأعظم فقالوا {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً}.
سياق الصاعقة والعفو: روى عبد الرزاق في "تفسيره" عن معمر عن قتادة: لما اختار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقات ربه، فلما سمعوا كلام الله قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فهلكوا، فقام موسى يبتهل ويتضرع قائلاً {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} فأحياهم الله من بعد موتهم وعفا عنهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
جَهْرَةً
عياناً مكاشفة بالبصر لا ريب فيها ولا حجاب.
الصَّاعِقَةُ
نار نازلة من السماء أو صيحة مهلكة تقصف الأبدان وتزهق الأرواح.
سُلْطَانًا مُّبِينًا
حجة ظاهرة قاهرة باهرة، وهي الآيات التسع والمعجزات العظام التي قهر بها فرعون وقومه وألزم بها بني إسرائيل.
يَسْأَلُكَ
فعل مضارع مرفوع، والكاف مفعول به أول.
أَهْلُ الْكِتَابِ
فاعل مرفوع، والكتاب مضاف إليه.
أَن تُنَزِّلَ
أن والفعل في تأويل مصدر سد مسد المفعول الثاني ليسألك.
كِتَابًا
مفعول به لتنزل.
فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ
الفاء فصيحة، قد حرف تحقيق، سألوا فعل ماض وفاعله، موسى مفعول أول، أكبر مفعول ثانٍ منصوب، ومن ذلك جار ومجرور متعلق بأكبر.
فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
أرنا فعل دعاء وطلب مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل مستتر ونا مفعول به أول، والله مفعول به ثانٍ، وجهرة مفعول مطلق نائب عن المصدر لبيان هيئة الرؤية، أو حال منصوبة.
ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ
العجل مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره "إلهاً".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح التوارث الجيني للتمرد والعتو:
ارتبطت الآية بما قبلها أشد ارتباط؛ فلما بين الله تعالى في الآيات السابقة تفريقهم بين الرسل ومحاولتهم اتخاذ سبيل بين الكفر والإيمان، كشف هنا عن طبيعة العقلية الاستعلائية المتوارثة لديهم؛ فبين للنبي صلى الله عليه وسلم أن اقتراحهم إنزال كتاب من السماء ليس بحثاً عن برهان ناقص، بل هو استكبار متصل بتاريخ طويل من التمرد على المعجزات القاطعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفضيل نزول التوراة جملة واحدة على نزول القرآن منجماً:
يدفع الإشكال: اعترض اليهود بأن التوراة نزلت ألواحاً مكتوبة دفعة واحدة، فظنوا أن ذلك أرجح؛ فرد القرآن بالحجة العقلية والتشريعية:
إن نزول القرآن منجماً مفرقاً بحسب الوقائع هو أبلغ في تثبيت الفؤاد، والتدرج في التشريع، وتربية الأمة الوليدة، ومسايرة النوازل {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}.
إن بني إسرائيل على الرغم من نزول التوراة عليهم دفعة واحدة ورؤيتهم للألواح الإلهية المكتوبة، لم تنفعهم تلك الدفعة، بل اتخذوا العجل وعبدوه بعد مجيء البينات؛ فالمشكلة في قلوبهم المعاندة وليست في طريقة تنزيل الوحي.