المراد بالذين يختانون أنفسهم: قال قتادة وابن عباس ومجاهد: هم بنو أبيرق (طعمة وإخوته) الذين سرقوا السلاح والدرمك وخانوا الأمانة، ثم رموا بها البريء كذباً وزوراً؛ فنهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده عن الجدال والدفاع عنهم.
أخرج الطبري (ج ٩، ص ٢٠٠)مصدر غير محدد٩/٢٠٠ أن الخيانة هنا سميت خيانة للنفس؛ لأن وبال الخيانة وجزاءها الأخروي إنما يرجع على الخائن نفسه فيهلكها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَخْتَانُونَ
الاختيان افتعال من الخيانة، وصيغة الافتعال تدل على تكلف الخيانة والتمادي فيها وتكرارها حتى تصير ديدناً وعادة.
خَوَّانًا
صيغة مبالغة لكثير الخيانة العظيم الغدر.
أَثِيمًا
صيغة مبالغة لكثير الآثام المرتكب للذنوب والبهتان.
وَلَا تُجَادِلْ
لا ناهية جازمة، تجادل مضارع مجزوم والفاعل مستتر (أنت).
عَنِ الَّذِينَ
متعلق بتجادل، والذين اسم موصول.
يَخْتَانُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، و{أَنفُسَهُمْ}: مفعول به.
مَن كَانَ
من اسم موصول مفعول به ليحب، وجملة كان صلتها.
خَوَّانًا
خبر كان أول، و{أَثِيمًا}: خبر ثان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصريح قاطع بالنهي عن الدفاع عن الخونة بعد التوجيه العام في الآية الأولى؛ مع كشف الوصف الحقيقي لهؤلاء المجرمين بأنهم بلغوا الغاية في الخيانة والآثام؛ لقطع أي شبهة تعاطف عائلي أو قبلي معهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحريم التعصب القبلي والحزبي في جرائم الحقوق: الآية تضع ميزاناً حاسماً في إبطال العصبية الجاهلية؛ فقوم بني أبيرق جاؤوا يدافعون عن ابن قبيلتهم لمجرد القرابة والنسب وهم يعلمون كذبه أو يرجحونه؛ فجرم القرآن هذا المسلك ونهى عن الجدال عنهم؛ فالجريمة في الإسلام لا تغسلها أنساب القبائل، والمجرم خائن لنفسه ولقومه ولدينه، والواجب شرعاً هو الأخذ على يد الظالم لا التستر عليه.
البلاغة في التعبير بـ {يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ}: إشارة إلى أن الخائن في الحقيقة لا يخون ربه ولا الناس، بل يخون نفسه ويسلبها أمانتها ودينها ويوردها موارد الهلاك؛ فالضرر الحقيقي عائد عليه وحده.