وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
التمثيل النبوي لحال المذبذبين: أخرج مسلم في صحيحه (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، رقم ٢٧٨٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٨٤ وأحمد والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلُ المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين (أي المترددة الحائرة بين قطيعين)، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع».
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ}: أي مترددين تائهين حائرين بين الكفر والإيمان؛ ليسوا مع المؤمنين مخلصين مصدقين، ولا مع المشركين مجاهرين ظاهرين؛ بل يعطون هؤلاء وجهاً وهؤلاء وجهاً طمعاً في السلامة والمكاسب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُّذَبْذَبِينَ
التذبذب في اللغة الاضطراب والتحرك والتأرجح بين أمرين دون استقرار على أحدهما، مأخوذ من الذبذبة وهي حركة الشيء المعلق في الهواء يميل مع كل ريح.
بَيْنَ ذَٰلِكَ
بين الإيمان والكفر، أو بين المؤمنين والمشركين.
لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ
لا موالين للمؤمنين ظاهراً وباطناً، ولا مخلصين للمشركين تماماً.
مُّذَبْذَبِينَ
حال منصوبة بالياء من الضمير في يراءون أو منصوبة على الذم بفعل محذوف.
بَيْنَ ذَٰلِكَ
ظرف مكان متعلق بمذبذبين، وذلك اسم إشارة مضاف إليه.
لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ
لا نافية، الجار والمجرور متعلق بمحذوف بدل من بين ذلك أو حال ثانية، ومثله الجملة المعطوفة بعدها.
وَمَن يُضْلِلِ
اسم شرط جازم مبتدأ، يضلل فعل الشرط، والجواب {فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة التشريح النفسي لشخصية المنافق الممزقة؛ فبعد أن بين صلاتهم الشكلية وخداعهم، لخص جوهر أزمتهم الوجودية: "فقدان البوصلة والاستقرار"؛ فهم في تيه نفسي واضطراب مستمر لا يثبتون على مبدأ ولا ينتمون لحقيقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط الشخصية التوفيقية النفعية في موازين الحق: الآية تبرهن على أن الحيرة والتذبذب بين الحق والباطل عذاب نفسي ومصير مظلم؛ فالوضوح الإيماني هو مصدر الطمأنينة والرسوخ؛ أما المنافق الذي يقدم التكتيك النفعي على المبدأ العقدي فيظل ممزق الولاء، خائفاً من كل ريح، لا يثق به صديق ولا عدو؛ ومن أضله الله بركونه إلى الهوى فلن يجد له طريقاً إلى الرشاد.
الجرس اللفظي والتصوير الحسي في لفظ {مُّذَبْذَبِينَ}: تكرار الذال والباء المعجمتين يحدث صدى صوتياً يجسد حركة التأرجح والاضطراب التائه؛ كأنك ترى ذلك المنافق وهو يتمايل ذات اليمين وذات الشمال بلا قرار.
النفي المزدوج {لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ}: تصوير لعزلته الحقيقية عن كلا المعسكرين؛ فهو غريب في صف الإيمان وغريب في صف الكفر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):