أخرج الطبري (ج ٩، ص ٥٠٤-٥١٢)مصدر غير محدد٩/٥٠٤ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد: بيّن الله تعالى مآل الناس يوم يجمعهم في المحشر؛ فالمؤمنون الصالحون يوفيهم أجور أعمالهم كاملة غير منقوصة ويزيدهم من فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (وهو النظر إلى وجهه الكريم والشفاعة والزيادات الربانية)؛ وأما الذين استنكفوا عن عبادته واستكبروا عن دينه وطاعته فيعذبهم عذاباً موجعاً في نار جهنم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَيُوَفِّيهِمْ
التوفية هي إعطاء الحق كاملاً تاماً وافياً بلا بخس.
وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ
الزيادة هي العطاء الزائد عن استحقاق العمل تفضلاً وإحساناً محضاً.
اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا
عطف الاستكبار على الاستنكاف للدلالة على أن تمردهم جمع بين الباطن (الأنفة القلبية) والظاهر (الامتناع العملي والترفع عن الانقياد).
فَأَمَّا
الفاء للتفريع، أما حرف تفصيل وشرط.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
الذين اسم موصول مبتدأ، وجملة آمنوا صلة، وعملوا الصالحات معطوف عليها.
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ
الفاء واقعة في جواب أما، يوفيهم مضارع والفاعل هو الله وهم مفعول أول، وأجورهم مفعول ثانٍ، والجملة خبر المبتدأ.
جملة حالية، ولياً مفعول به ليجدون، ونصيراً معطوف عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل الحشر الموعود في الآية السابقة:
لما هددهم في ختام الآية السابقة بقوله {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا}؛ جاءت هذه الآية تفصيلاً حكيماً وتصنيفاً لمآلات هذا الحشر العظيم؛ فقسم الناس إلى قسمين لا ثالث لهما: أهل الإيمان والعمل الصالح ومآلهم العدل بالوفاء والفضل بالزيادة، وأهل الاستنكاف والاستكبار ومآلهم العذاب الأليم والخسران المبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفرقة بين "الأجر" و"الفضل" ومسألة استحقاق الثواب:
يدفع الإشكال: حرر أئمة أهل السنة أن ثواب العمل الصالح ليس معاوضة استحقاقية تلزم الله عقلاً كأجرة الأجير عند المعتزلة؛ بل إن الله تعالى هو الذي تفضل أولاً بالتوفيق للعمل، ثم تفضل ثانياً بوعد الجزاء وسمى ذلك "أجراً" تفخيماً وتشريفاً للمؤمنين؛ ثم تفضل ثالثاً بـ {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} بما يتجاوز حدود الأعمال؛ فالأول فضل موعود، والثاني فضل ممدود، وكله من بركات رحمته وإحسانه سبحانه وتعالى.