أصنام المشركين وتسميتهم لها بأسماء الإناث: أخرج ابن جرير الطبري (ج ٩، ص ٢٦٥-٢٧٥)مصدر غير محدد٩/٢٦٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة قالوا: كان مشركو العرب يعبدون الأصنام ويسمونها بأسماء الإناث تأنيثاً؛ كاللات (تأنيث الله بزعمهم)، والعزى (تأنيث العزيز)، ومناة، ونائلة، وكانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله ويعبدونهم؛ فبين الله سفاهة عقولهم بأنهم لا يعبدون إلا جمادات ناقصة أطلقوا عليها أسماء الإناث، وما يعبدون في الحقيقة إلا الشيطان الرجيم الذي زين لهم ذلك الكفر.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ الجمهور: {إِلَّا إِنَاثًا} بكسر الهمزة وتخفيف النون جمع أنثى (كحمار وحمر، أو إناث كرقاب).
وقرأ الحسن وعكرمة وابن محيصن: {إِلَّا أُثُنًا} بضم الهمزة والثاء جمع وثن (أصلها وُثن أبدلت الواو همزة).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
إِن يَدْعُونَ
إن نافية بمعنى ما؛ أي ما يدعون وما يعبدون من دون الله.
إِنَاثًا
جمع أنثى، والمراد الجمادات والأصنام المؤنثة الأسماء التي لا تنفع ولا تضر.
مَّرِيدًا
المارد العاتي الخارج عن الطاعة المتمرد على الحق المجرد من كل خير، مأخوذ من المرد وهو التجريد.
إِن
نافية، يدعون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
مِن دُونِهِ
متعلق بحال محذوفة أو بيدعون.
إِلَّا
أداة حصر.
إِنَاثًا
مفعول به ليدعون.
وَإِن يَدْعُونَ
معطوف بنفي وحصر، و{شَيْطَانًا}: مفعول به، و{مَّرِيدًا}: نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفكيك عقلية الشرك وبيان تهافتها المنطقي؛ فبعد أن بين أن المشرك ضل ضلالاً بعيداً، أبان وجه هذا الضلال وسخافته: فالمشرك يترك عبادة الخالق العظيم القادر الحي القيوم، ليعبد جماداً ضعيفاً لا يملك لنفسه نفعاً، ويكون في الحقيقة منقاداً لشيطان مارد خبيث يورده الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة عبادة الأوثان وأنها طاعة للشيطان: الآية تكشف حقيقة التوحيد والشرك؛ فالصنم في ذاته حجر أصم لا يسمع ولا يبصر، ولكن العبادة الحقيقية إنما توجهت إلى "إبليس والشياطين" الذين وسوسوا وزينوا للإنسان هذا السجود؛ فكل من عبد غير الله أو خضع لقوانين الباطل فإنه في الحقيقة يعبد الشيطان ويطيعه في استعباد عقله وروحه؛ فالشرك استعباد شيطاني مهين لكرامة الإنسان.
أسلوب القصر المزدوج بـ {إِنْ... إِلَّا}: تكرار الحصر مرتين في جملتين متتابعتين لتأكيد بطلان هذه المعبودات وسخافة من يتعلق بها؛ فالواقع منحصر بين جماد عاجز وبين شيطان مريد خبيث.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير العقول من الخرافات والأوهام والأضرحة والتعلق بغير الله من المخلوقين.
إفراد الله بالعبادة والدعاء والاستغاثة واليقين بأنه النافع الضار وحده لا شريك له.