وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
تسمية الآية بآية الحقوق العشرة: تسمى هذه الآية الكريمة عند السلف "آية الحقوق العشرة"؛ لأنها جمعت أصول الواجبات الدينية والاجتماعية في عقد إيماني فريد. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «عشر آيات في سورة النساء محكمات، أولهن قوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا...}».
الأحاديث النبوية في حقوق الجار والضعفاء:
أخرج البخاري (رقم ٦٠١٤)مصدر غير محددحديث رقم ٦٠١٤ ومسلم (رقم ٢٦٢٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٢٤ عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
أخرج البخاري في الأدب المفرد (رقم ١٢٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٢٨ عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره».
أخرج مسلم (رقم ٢٩٨٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٨٨ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».
تفسير أصناف الجيران والأصحاب:
{الْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ}: الجار الذي بينك وبينه قرابة ونسب، فله ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق الجوار، وحق القرابة.
{الْجَارِ الْجُنُبِ}: الجار الأجنبي الذي ليس بينك وبينه قرابة، فله حقان: حق الإسلام وحق الجوار، وإن كان غير مسلم فله حق الجوار.
{وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ}: فُسر بالرفيق في السفر، وقيل الزوجة الملازمة، وقيل الرفيق في التعليم أو العمل أو المجلس الصالح.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
شَيْئًا
نكرة في سياق النهي تفيد العموم القطعي؛ أي لا تشركوا به أي شيء؛ لا وثناً، ولا صنماً، ولا مَلَكاً، ولا نبياً، ولا هوى، ولا رياءً.
الْجُنُبِ
البعيد في النسب أو المكان، من الجنابة وهي البعد.
مُخْتَالًا
المختال هو المتكبر المعجب بنفسه في مشيته وهيئته وتصرفاته، من الخيلاء.
فَخُورًا
الفخور هو كثير التطاول على الناس والمباهاة بما أوتي من مال أو حسب أو جاه.
وَاعْبُدُوا
فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
الباء حرف جر، الوالدين مجرور بالياء متعلق بفعل محذوف تقديره "وأحسنوا"، و{إِحْسَانًا} مفعول مطلق منصوب لذلك الفعل المحذوف.
وَبِذِي
معطوف على الوالدين مجرور بالياء لأنه من الأسماء الستة.
مُخْتَالًا
خبر كان منصوب، و{فَخُورًا} خبر ثان أو نعت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج النظم القرآني المعجز من أعظم الحقوق وهو حق الخالق بالتوحيد ونفي الشرك، إلى أعظم حقوق المخلوقين وهو بر الوالدين، ثم تدرج في الدوائر الاجتماعية بحسب القرب: الأقارب، ثم الضعفاء (اليتامى والمساكين)، ثم الجيران بحسب مراتبهم، ثم الرفيق الملازم، ثم الغريب المنقطع (ابن السبيل)، ثم الأرقاء والخدم، وختم بالتحذير من داء الكبر والفخر الذي يمنع صاحبه من التواضع لهؤلاء الضعفاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمولية التوحيد وأثره في الأخلاق: الآية تبرهن عقلياً على أن التوحيد الخالص هو المنبع الحقيقي لجميع الفضائل الاجتماعية؛ فالذي يعبد الله وحده متحرراً من الشرك يمتلئ قلبه بالرحمة والتواضع والشفقة على خلق الله، بينما الشرك والكبر صنوان يقودان إلى احتقار الضعفاء وظلم المستضعفين ومنع الحقوق الواجبة.
الحذف البلاغي في قوله {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}: حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه للدلالة على طلب الإحسان المطلق المؤكد الذي لا ينقطع ولا يتخلف في كل حال.
صيغ المبالغة في الفواصل: {مُخْتَالًا فَخُورًا} بصيغتي الفاعل والفعول؛ لتصوير بشاعة التكبر الداخلي الذي يظهر في الخيلاء الخارجية، والمباهاة اللسانية التي تؤذي قلوب الفقراء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):