أجمع القراء العشرة على كسر لام الجر في ﴿لِّلرِّجَالِ﴾ و﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾، وتنوين ﴿نَصِيبٌ﴾ بالرفع مبتدأ مؤخراً، وفتح قاف ولام مشددة ﴿قَلَّ﴾، ونصب ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة أو حالاً مؤكدة (التيسير للداني، ص٩٥؛ إعراب القرآن للنحاس، ج١، ص٤٠٥).
أسباب النزول وسياق الأثر:
الإعلان القرآني التاريخي الحاسم الذي نسخ أعراف الجاهلية الظالمة وقرر حق المرأة والطفل الصغير في الميراث لأول مرة في تاريخ البشرية بنص إلهي قاطع.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٦، ص٤٠٠)مصدر غير محدد٦/٤٠٠ والواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم قالا: "توفي أوس بن ثابت الأنصاري وترك امرأة يقال لها أم كُجّة وثلاث بنات له منها، فقام ابنا عمه (قُتادة وعرفطة) وكانا عصبته فأخذا ماله كله ولم يعطوا امرأته ولا بناته شيئاً! فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، توفي أوس بن ثابت وترك عليّ ثلاث بنات، وقد أخذ ابنا عمه ماله فلم يتركا لهن حقاً ولا مالاً ولا طعاماً، ولا يُنكحن إلا بمال! فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، بناته لا يركبن فرساً، ولا يحملن كَلاًّ، ولا ينكون عدواً، وإنما يعطى المال من يقاتل ويحوز الغنيمة! فقال رسول الله: انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله، فأنزل الله تبارك وتعالى رداً عليهم وقضاءً لحق المرأة والضعيف: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
النصيب
الحظ والقدر المقدر المقسوم من المال.
الوالدان والأقربون
الأب والأم وقرابات النسب الوارثون.
مما قل منه أو كثر
سواء كان المتروك شيئاً حقيراً كالإبرة أو الثوب أو أموالاً طائلة وقناطير مقنطرة.
نصيباً مفروضاً
حقاً واجباً مقطوعاً مقدراً بفرائض محكمة لا خيار لأحد في إسقاطه ولا تبديله.
جملة اسمية معطوفة على الأولى مطابقة لها في اللفظ والإعراب.
مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ
بدل من (مما ترك) بإعادة الجار، قل ماض وفاعله مستتر، منه متعلق بقل، أو كثر معطوف عليه.
نَصِيبًا مَّفْرُوضًا
نصيباً مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (فرض الله ذلك نصيباً)، أو حال مؤكدة، مفروضاً نعت لنصيباً منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو بمثابة "القانون الأساسي والإعلان الدستوري العام للمواريث" قبل الشروع في تفصيل أنصبة الآيات ١١ و١٢؛ فبدأ بإرساء القاعدة الكلية المجردة: المرأة كالرجل ذات حق أصيل في التركة، لا تملك أي قوة بشرية ولا أي عصبية قبلية حرمانها منه. وأكد هذا الحق بتكرار الجملة بحذافيرها للرجال وللنساء، ثم أكد شموله لكل التركة قليلة كانت أو كثيرة: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾، ثم ختم بالوصف القاطع: ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ ليقطع كل محاولة للتهرب أو المساومة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دحض فلسفة الجاهلية المادية في حرمان المرأة من الميراث:
أقام الجاهليون نظامهم المالي على المنفعة المادية العسكرية المجردة: "لا يرث إلا من يحارب ويحوز الغنيمة"؛ فأسقط القرآن هذا المعيار الباطل وأحل محله "معيار القرابة والرحم والحاجة والعدالة الإلهية"؛ فالإرث في الإسلام حق شرعي مستمد من صلة النسب والرحم، لا من القوة الجسدية ولا من القدرة على حمل السلاح. وبذلك رفعت الشريعة الإسلامية المرأة من رتبة "متاع موروث" في الجاهلية إلى رتبة "شخصية وارثة مالكة ذات ذمة مالية مستقلة" (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص١٩٥؛ جامع البيان للطبري، ج٦، ص٤٠٥).
التكرار التناظري التام: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ... وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ...﴾؛ إبراز لاستقلال حق المرأة ومساواتها في أصل الاستحقاق، ولو قال (للرجال والنساء نصيب) لربما توهم متوهم اشتراكهما في نصيب واحد يعطى للرجل ويشركها فيه تكرماً، فلما أفرد كل صنف بجملة اسمية مستقلة تقرر الحق تقرراً لا يقبل الالتباس.
التعميم بالمقابلة: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾؛ قطع لأي حيلة قد يلجأ إليها الأولياء باستبقاء الأشياء الصغيرة أو الحقيرة لأنفسهم.
التأكيد بالمصدر والصفة: ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾؛ لإضفاء الصبغة الإلزامية والقداسة الدينية التي تلجم الأهواء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحريم حرمان البنات والنساء من الميراث الشرعي؛ وهي من أعظم الكبائر التي ما زالت بعض العادات القبلية الجاهلية تتوارثها في منع توريث الأراضي والعقارات للنساء.
تعظيم فرائض الله وحدوده في قسمة التركات؛ فهي فريضة من الله لا يجوز التلاعب بها.