أجمع القراء العشرة على فتح صاد وضم دال ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ جمع صَدُقة بفتح الصاد وضم الدال وهو المهر، وقرأ قتادة في الشواذ بضم الصاد والدال (صُدُقاتهن)، وكسر نون ﴿نِحْلَةً﴾ منونة بالنصب حالاً أو مصدراً، ونصب ﴿نَفْسًا﴾ على التمييز، وتنوين ﴿هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ بالنصب حالاً أو صفة لمصدر محذوف (التيسير للداني، ص٩٤؛ الدر المصون، ج٣، ص٤٨٥).
أسباب النزول وسياق الأثر:
إبطال لعادة جاهلية ظالمة كانت تستبيح مهور النساء؛ حيث كان أولياء المرأة (أبوها أو أخوها) يقبضون مهرها ويستأثرون به دونها، وربما زوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته بلا مهر (نكاح الشغار)!
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٦، ص٣٧٥)مصدر غير محدد٦/٣٧٥ عن ابن عباس وقتادة قالا: "كان الرجل في الجاهلية إذا زوّج ابنته أو أخته أخذ صداقها دونها ولم يعطها منه شيئاً، فنهى الله تعالى عن ذلك وأنزل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾؛ فأوجب أن يكون المهر ملكاً خالصاً للمرأة لا حق لوليها ولا لزوجها فيه إلا بإذنها وطيب نفسها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
صَدُقاتهن
المهور، مأخوذة من الصِّدق؛ لأن إعطاء المهر دليل صدق رغبة الرجل في نكاح المرأة وعقد ميثاق الزوجية معها.
نِحلة
عطية وهبة وفريضة عن طيب نفس؛ مأخوذ من نحله إذا أعطاه شيئاً بغير عوض ولا مطالبة، ونحلة من الله أي فريضة مفروضة.
فإن طِبن لكم عن شيء منه نفساً
إن وهبت المرأة لزوجها برضاها واختيارها التام شيئاً من مهرها من غير إكراه ولا حرج.
هنيئاً
طيب العاقبة لا كدر فيه ولا منغص في الدنيا.
مريئاً
سائغاً محمود المغبة لا إثم فيه ولا تبعة ولا عذاب في الآخرة؛ مأخوذ من مرؤ الطعام إذا استمرأه الجسد وسهل هضمه.
وَآتُوا النِّسَاءَ
فعل أمر والواو فاعل، والنساء مفعول أول.
صَدُقَاتِهِنَّ
مفعول به ثانٍ منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم وهن مضاف إليه.
نِحْلَةً
حال من الفاعل أو من الصدقات؛ أي ناحلين أو منحولة (أو مفعول مطلق لفعل محذوف، أو مفعول لأجله).
فَإِن طِبْنَ لَكُمْ
الفاء استئنافية، إن شرطية، طبن ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط ونون النسوة فاعل، لكم متعلق بطبن.
عَن شَيْءٍ مِّنْهُ
جار ومجرور متعلقان بطبن، منه نعت لشيء.
نَفْسًا
تمييز منصوب بالفتحة محول عن الفاعل؛ والأصل: فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء منه.
فَكُلُوهُ
الفاء رابطة لجواب الشرط، كلوه أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة جواب الشرط.
هَنِيئًا مَّرِيئًا
حالان منصوبتان من ضمير المفعول به (الهاء)؛ أو نعتان لمصدر محذوف تقديره (أكلاً هنيئاً مريئاً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترسيخ الاستقلال المالي التام للمرأة في الإسلام؛ فبعد أن أباح نكاح النساء في الآية السابقة، بيّن هنا الركن المالي الأساسي في عقد الزواج: المهر حق مالي خالص للزوجة وليس ثمناً يدفعه الرجل لشراء المرأة من وليها، بل هو "صَدُقة ونِحلة" متمحضة لها، لا يحل لأبيها ولا لزوجها أن يستلب منه درهماً واحداً إلا إذا طابت نفسها وعفت عنه عن رضى واختيار كاملين دون أي ضغط أدبي أو نفسي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة استغلال الزوج لكلمة (فإن طبن لكم) للإكراه والضغط:
قيّد الله تعالى جواز أخذ شيء من مهر الزوجة بقيد دقيق جداً: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾؛ فاشترط "طيب النفس الحقيقي"، والتحقيق الفقهي الأصولي: أن المرأة لو تنازلت عن مهرها أو جزء منه لزوجها بسبب خوفها من طلاقه، أو بسبب سوء عشرته لها، أو تحت وطأة الحرج والضغط المجتمعي والأسري، فإن هذا التنازل باطل شرعاً، وأكل المال حينئذٍ سحت وحرام؛ لأن ما أُخذ بسيف الحياء أو الإلجاء فهو كالمأخوذ غصباً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه" (أخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه الألباني) (أحكام القرآن للجصاص، ج٢، ص٦٥؛ تفسير القرطبي، ج٥، ص٢٥).
إسناد الفعل إلى النفس في التمييز ﴿نَفْسًا﴾: لبيان أن الرضا المطلوب رضا باطني خالص نابع من صميم القلب والنفس، لا مجرد تلفظ باللسان مع ضيق الصدر.
التأكيد المزدوج بـ ﴿هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾: جمع بين هناءة المأكل في الدنيا ومراءته وسلامته من الإثم في الآخرة؛ تطييباً لنفوس الأزواج إذا أهدت إليهم زوجاتهم شيئاً عن طيب خاطر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة الذمة المالية المستقلة للمرأة؛ فلها كامل الحق في البيع والشراء والهبة وإدارة أموالها دون وصاية استبدادية من أحد.
كرم الأخلاق والمودة الزوجية؛ فالمرأة الكريمة تطيب نفساً لزوجها، والزوج الشهم يحفظ حق زوجته ولا يطمع في مالها.