المساواة في الجزاء الأخروي وشرط الإيمان: أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ٣٥٠)مصدر غير محدد٩/٣٥٠ وابن أبي حاتم عن قتادة وابن عباس ومجاهد قالوا: بعد أن بين الله في الآية السابقة أن من يعمل سوءاً يجز به، بين هنا جانب الفضل والرحمة والمثوبة؛ فكل من عمل الصالحات من ذكر أو أنثى وهو متصف بالإيمان الصادق الخالص، فإن الله يدخلهم الجنة ولا ينقصهم من ثواب أعمالهم أدنى شيء ولو كان قدر النقير في ظهر النواة.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر: {يُدْخَلُونَ الْجَنَّةَ} بضم الياء وفتح الخاء مبنياً للمجهول.
"من" للتبعيض؛ إشارة إلى أن الإنسان لا يستطيع استيعاب جميع الصالحات، بل يكفيه أن يعمل بما يقدر عليه من الواجبات والمندوبات مع اجتناب الكبائر.
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
قيد شرطي حاسم؛ فالإيمان هو الأساس المصحح للأعمال والشرط لقبولها.
نَقِيرًا
النكتة في ظهر نواة التمرة، مثلاً في غاية القلة والضآلة.
وَمَن يَعْمَلْ
اسم شرط جازم مبتدأ، يعمل فعل الشرط مجزوم.
مِنَ الصَّالِحَاتِ
متعلق بيعمل أو مفعول به على زيادة من التبعيضية أو مفعول به لمحذوف.
مِن ذَكَرٍ
بيان لمن يعمل.
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
الواو حالية، هو مبتدأ ومؤمن خبر، والجملة في محل نصب حال.
فَأُولَٰئِكَ
مبتدأ، وجملة {يَدْخُلُونَ} خبره، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
نَقِيرًا
نائب عن المفعول المطلق أو مفعول ثان ليظلمون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين جزاء السيئات في الآية (١٢٣) وجزاء الحسنات في هذه الآية (١٢٤)؛ لبيان كمال الميزان الإلهي؛ فالعقاب بعدل والجزاء بفضل، والتأكيد على أن الذكورة والأنوثة لا أثر لها في ميزان الجزاء الأخروي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المساواة الإنسانية والروحية المطلقة بين الرجل والمرأة: الآية حجة قاطعة على بطلان دعاوى هضم الإسلام للمرأة؛ فالقرآن يقرر صراحة أن معيار الكرامة الأخروية ودخول الجنة ونيل الثواب واحد لا تفاضل فيه بين الجنسين؛ فالمرأة كالرجل تماماً في الثواب على كل ركعة، وصدقة، وصيام، وعمل صالح؛ والإيمان هو الشرط العقلي والشرعي لقبول العمل، فلا وزن لعمل صالح يصدر عن كافر يجحد خالقه في الآخرة.
البلاغة في التبعيض {مِنَ الصَّالِحَاتِ}: تلطف رباني بالعباد؛ فالله لم يشترط عمل "كل" الصالحات بل قال: {مِنَ الصَّالِحَاتِ} لفتح باب الأمل لكل مسلم يعمل ما تيسر له من خصال الخير.
الحال التقييدية {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}: تذكيراً بأن الأعمال الصالحة بغير إيمان كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحفيز النساء والرجال على التنافس في الطاعات وعمارة الأوقات بالأعمال الصالحة.
تجديد الإيمان واليقين بأن عدل الله مطلق لا يضيع معه عمل عامل مثقال نقير.