أقوال السلف في {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ}: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٨، ص ٢٥٠)مصدر غير محدد٨/٢٥٠ عن مجاهد والسدي قالا: هم الزناة الذين يتبعون شهوات الفروج الحرام، يريدون أن تزنوا مثلهم فتضلوا وتستووا في المعصية. وقال قتادة: هم اليهود والنصارى الذين يتبعون أهواءهم وما ابتدعوه في أديانهم، يريدون أن تستحلوا ما أحلوا وتحرموا ما حرموا فتحيدوا عن شريعة الإسلام.
تفسير السلف للإرادة هنا: قال أهل السنة والجماعة: الإرادة في قوله {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} هي الإرادة الدينية الشرعية المتضمنة للأمر والمحبة والرضا ببيان طريق التوبة والاستقامة، وليست الإرادة الكونية القدرية التي يلزم من تعلقها وقوع المراد حتماً في كل فرد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ
الشهوات جمع شهوة، وهي ميل النفس ونزوعها إلى المستلذات البهيمية المحرمة؛ والتعبير بـ "الاتباع" يفيد الانقياد الأعمى لها وجعلها إماماً وقائداً.
تَمِيلُوا
الميل في اللغة هو الانحراف والعدول عن الاستقامة، وميل الشجرة عوجها.
عَظِيمًا
وصف الميل بالعظم لبيان فداحة الهوة بين الاستقامة الشرعية وبين الانتكاس الجاهلي في حمأة الرذيلة.
وَاللَّهُ
الواو استئنافية، واسم الجلالة مبتدأ مرفوع.
يُرِيدُ أَن يَتُوبَ
يريد فعل مضارع والجملة خبر المبتدأ، وأن وما بعدها مصدر مؤول مفعول به ليريد.
وَيُرِيدُ الَّذِينَ
الواو عاطفة، يريد فعل مضارع، والذين فاعل، وجملة يتبعون صلة الموصول.
مَيْلًا
مفعول مطلق مؤكد للفعل، و{عَظِيمًا} نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الصريحة بين إرادتين متناقضتين: إرادة الله الرحيمة بطهارة عباده وإصلاح بيوتهم، وإرادة دعاة الشهوات والانحلال بجر المجتمع إلى مستنقع الفاحشة وسلب الفضيلة؛ لتحذير المؤمنين من كيد المتربصين بهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الصراع بين شريعة العفة ودعوات التحلل: الآية تكشف بوضوح سنناً نفسية واجتماعية لا تبيد؛ فأهل الباطل والشهوات لا يكتفون بممارسة باطلهم في خاصتهم، بل يحرصون على جر الأمة كلها لتشريع الرذيلة وتقنين الانحراف حتى لا يشعروا بالدونية الأخلاقية؛ فالتحلل الخلقي ليس حرية شخصية بل مشروع هدم منظم يستهدف استقرار الأسرة وطهارة النسل، والقرآن يقطع الطريق أمام هذه الدعوات ببيان مقاصدها الخبيثة.
الجناس والطباق المقاصدي: مقابلة التوبة بالميل؛ فالتوبة رجوع إلى الصراط المستقيم والثبات عليه، والميل انحراف واعوجاج؛ ووصفه بـ {عَظِيمًا} تهويل للخروج عن الفطرة الإنسانية السوية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من التيارات الفكرية والإعلامية التي تروج للرذيلة تحت مسميات التحرر والحداثة الزائفة.
التمسك بأحكام الأسرة الإسلامية واعتبارها صمام الأمان الوحيد لحماية المجتمع من الانهيار الأخلاقي.