أخرج الطبري (ج ٩، ص ٤٤٢-٤٤٨)مصدر غير محدد٩/٤٤٢ وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة وابن زيد: بعث الله الرسل بالبشارة لمن أطاع بالجنة، وبالنذارة لمن عصى بالنار؛ لئلا يقول أحد يوم القيامة: ما أرسلت إلينا رسولاً وما أنزلت إلينا كتاباً يبين لنا ما نأتي وما نذر!
وأخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٤٦٣٤)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٣٤ ومسلم (رقم ٢٧٦٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٦٠ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أغير من الله؛ فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُّبَشِّرِينَ
البشارة هي الإخبار بالخير والنعيم والفضل الآجل المسر للنفس.
وَمُنذِرِينَ
الإنذار هو الإخبار بالشر والعقاب المخوف مع التخويف والتحذير قبل وقوعه.
حُجَّةٌ
الحجة هي الدليل والبرهان والمعذرة التي يحتج بها الخصم لدفع اللوم والعقوبة عن نفسه.
رُّسُلًا
بدل من رسلاً السابقة منصوب، أو منصوب على المدح بفعل محذوف، أو مفعول به لأرسلنا محذوفاً دل عليه السياق.
مُّبَشِّرِينَ
نعت لرسلاً منصوب بالياء.
وَمُنذِرِينَ
معطوف عليه منصوب بالياء.
لِئَلَّا
اللام حرف جر للتعليل، أن حرف مصدري ونصب، لا نافية؛ والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بأرسلنا أو بالتبشير والإنذار.
يَكُونَ
فعل مضارع ناقص منصوب بأن.
لِلنَّاسِ
متعلق بمحذوف خبر مقدم ليكون.
عَلَى اللَّهِ
متعلق بحجة أو بمحذوف حال منها.
حُجَّةٌ
اسم يكون مؤخر مرفوع بالضمة.
بَعْدَ الرُّسُلِ
ظرف زمان متعلق بحجة أو بالاستقرار في الخبر.
وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
تذييل مقرر لصفات الاقتدار والحكمة التامة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان حكمة البعثة وغاية إرسال الرسل:
اتصلت الآية بما قبلها اتصال التعليل بالمعلَّل؛ فلما بيّن سبحانه إيحاءه إلى الأنبياء وإرسالهم مبثوثين في تاريخ الإنسانية؛ ذكر هنا الحكمة الكلية والغاية التشريعية من هذا التدبير الإلهي؛ وهو قطع معاذير الخلق، وإقامة العدل المطلق بإعذار الله لعباده قبل مؤاخذتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة التحسين والتقبيح العقليين واستحقاق العقاب قبل البعثة:
يدفع الإشكال: هذه الآية الكريمة عمدة كبرى لأهل السنة والجماعة في مسألة التكليف والجزاء؛ حيث قرر أئمة التحقيق (كابن كثير والقرطبي وابن تيمية في مواضع متعددة) أن العقل وإن كان يدرك حسن بعض الأشياء وقبح بعضها إجمالاً، إلا أن "الثواب والعقاب واستحقاق العذاب الأخروي" لا يثبت في حق المكلفين إلا بعد بلوغ الحجة الرسالية إليهم؛ لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}، ولقوله هنا: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}. فلو كان العقل وحده كافياً في إيجاب العقاب لم تكن للناس حجة معتبرة قبل إرسال الرسل.
التذييل بـ {عَزِيزًا حَكِيمًا}: عزة الله تمنع من أن يكون لأحد عليه اعتراض أو إلزام، ولكنه بحكمته الباهرة ورحمته الفائضة أقام الحجة على خلقه وقطع أعذارهم، فالعزة لا تنافي الحكمة، والحكمة لا تعطل كمال الاقتدار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محبة الله العظيمة لإعذار عباده ورفقه بهم، مما يوجب استشعار رحمته وتلهج الألسن بحمده.
قيام واجب التبليغ والبيان على علماء الأمة ودعاتها، لأنهم ورثة الأنبياء في إقامة حجة الله على العالمين.