سبب النزول واستثناء النجوى الصالحة: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ٢٥٦)مصدر غير محدد٩/٢٥٦ وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي ومجاهد: نزلت في شأن بني أبيرق وقومهم الذين تناجوا بالليل في تدبير السرقة وإلصاقها بالبريء، فبين الله تعالى أن غالب تناجي الناس في مجالسهم وخلواتهم لا خير فيه، بل هو لغو أو إثم أو تآمر، إلا من كانت نجواه ومسارعته في أحد هذه الأبواب الثلاثة: الصدقة، أو المعروف، أو الإصلاح بين الناس.
أخرج الترمذي في سننه (رقم ٢٤١٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤١٢ وحسنه، وابن ماجه (رقم ٣٩٧٤)مصدر غير محددحديث رقم ٣٩٧٤ عن أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، أو ذكراً لله عز وجل».
أخرج أبو داود (رقم ٤٩١٩)مصدر غير محددحديث رقم ٤٩١٩ والترمذي (رقم ٢٥٠٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٠٩ وصححه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَّجْوَاهُمْ
النجوى في اللغة الكلام الخفي المنفرد بين اثنين أو جماعة في سكون وخلوة، من النجاة وهو المكان المرتفع المنقطع.
بِصَدَقَةٍ
بذل المال الحلال للمحتاجين والفقراء سراً.
مَعْرُوفٍ
كل ما حسنه الشرع والعقل ورضيه الله من أعمال البر والصلة ومكارم الأخلاق وسد حاجات المسلمين.
إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
إزالة الشحناء والنزاع بين المتخاصمين في الدماء والأموال والأعراض والزوجية.
لَّا خَيْرَ
لا نافية للجنس، خير اسمها مبني على الفتح، وخبرها محذوف تقديره حاصل أو موجود.
فِي كَثِيرٍ
جار ومجرور متعلق بمحذوف حال أو بالخبر المحذوف، وهو مضاف إلى نجواهم.
إِلَّا مَنْ أَمَرَ
إلا أداة استثناء، من اسم موصول في محل جر بدل من كثير، أو في محل نصب على الاستثناء المنقطع أو المتصل (أي إلا نجوى من أمر).
ابْتِغَاءَ
مفعول لأجله منصوب.
فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ
الجملة في محل جزم جواب الشرط (ومن يفعل)، وأجراً مفعول ثان، و{عَظِيمًا} نعت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج القرآن من التنديد بتبييت الخائنين وتناجيهم بالإثم والعدوان ({إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ})، إلى وضع القانون الاجتماعي والأخلاقي العام لضبط أحاديث الناس ومجالسهم السرية؛ فصرف طاقة النجوى والتناجي من التآمر الخبيث إلى ميادين التكافل والإحسان والإصلاح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حصر أبواب الخير الاجتماعي في الثلاثة: الآية تحصر مجالات النجوى الممدوحة في ثلاثة أبواب استوعبت سائر وجوه النفع:
١. {بِصَدَقَةٍ}: وهي نفع مالي خالص يُسر به صيانة لكرامة الفقير ومنعاً للرياء.
٢. {أَوْ مَعْرُوفٍ}: وهو نفع معنوي وسلوكي يعم سائر الواجبات والمندوبات والأخلاق.
٣. {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}: وهو نفع اجتماعي عام يحفظ كيان المجتمع من الانهيار والتقاتل، والسرية فيه ضرورية لتطييب القلوب وتقريب وجهات النظر بعيداً عن ألسنة الفضوليين والمحرضين.
واشترطت الآية شرط الإخلاص: {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}؛ لأن فاعل هذه الأمور قد يقصد بها الوجاهة والمدح الدنيوي، فلا ينال الأجر العظيم إلا من جرد نيته لله وحده.
البلاغة في التعبير بـ {فِي كَثِيرٍ}: قوله: {فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} احتراس دقيق من التعميم المطلق؛ لأن من النجوى ما يكون في المباحات ومصالح المعاش اليومية، فبين أن الغالب على تناجي الناس خلوه من الخير، ورغب في تحويله إلى طاعات.
التنكير للتعظيم في {أَجْرًا عَظِيمًا}: لبيان عظمة الثواب الذي أعده الله لمن أصلح بين المتخاصمين أو فرج كربة مؤمن في السر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حفظ اللسان واجتناب اللغو والغيبة والمجالس السرية التي لا طائل تحتها.
المبادرة إلى الإصلاح بين المتخاصمين في العائلات والمجتمعات وبذل الصدقات الخفية ابتغاء وجه الله.