وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
أصول المحرمات في النكاح: هذه الآية الكريمة هي قطب رحى المحرمات من النساء في الشريعة الإسلامية؛ وقد فصلت المحرمات بنسب، والمحرمات برضاع، والمحرمات بمصاهرة.
أخرج البخاري (رقم ٢٦٤٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٤٥ ومسلم (رقم ١٤٤٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٤٤ عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة»، وفي رواية: «ما يحرم من النسب».
أخرج مسلم (كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات، رقم ١٤٥٢)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٥٢ عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن (أي متأخر نسخهن حكماً وتلاوة قبل الوفاة بيسير)».
حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها بالسنة المطهرة: أخرج البخاري (رقم ٥١٠٩)مصدر غير محددحديث رقم ٥١٠٩ ومسلم (رقم ١٤٠٨)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٠٨ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها»، وهو بيان نبوي مؤكد لمقاصد الآية في منع تقطيع الأرحام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
رَبَائِبُكُمُ
جمع ربيبة، وهي بنت الزوجة من زوج آخر، سميت بذلك لأن الزوج يربيها في الغالب في بيته كابنته.
حُجُورِكُم
الحجور جمع حجر، وهو حضن الإنسان وموضع تربيته ورعايته.
حَلَائِلُ
جمع حليلة، وهي الزوجة، سميت بذلك لحلها للرجل أو لمحالّته إياها في موضع واحد وفراش واحد.
مِنْ أَصْلَابِكُمْ
جمع صلب، وهو الظهر وعظم الظهر؛ والغاية منه إخراج الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية.
حُرِّمَتْ
فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث.
أُمَّهَاتُكُمْ
نائب فاعل مرفوع، وما بعده معطوفات عليه.
وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ
معطوف، واللاتي نعت، وجملة أرضعنكم صلة الموصول.
فِي حُجُورِكُم
جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت للربائب، وهو قيد أغلبي لا مفهوم له عند جماهير الأمة.
وَأَن تَجْمَعُوا
مصدر مؤول معطوف في محل رفع، أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإحصاء التشريعي المعجز هو الدستور الكامل للأسرة المسلمة؛ ساقه القرآن بنسق بديع بدأ فيه بالمحرمات من النسب السبع (الأمهات، البنات، الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، بنات الأخت)، ثم ثنى بالمحرمات بالرضاع وهما أصل الرضاع (الأمهات والأخوات، وسائر الفروع بالسنة النبوية)، ثم ثلث بالمحرمات بالمصاهرة (أم الزوجة بمجرد العقد، والربيبة بشرط الدخول بالأم، وزوجة الابن الصلبي)، وختم بالمحرمات جمعاً لا تأبيداً (الجمع بين الأختين).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكم قيد {فِي حُجُورِكُم} في الربيبة: أجمع فقهاء الأمصار والأئمة الأربعة على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم سواء كانت الربيبة في حجره أو في بلد آخر؛ وأن قوله {فِي حُجُورِكُم} خرج مخرج الغالب؛ والأوصاف إذا خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم مخالفة لها عند الأصوليين.
الحكمة من قوله {الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ}: نزل القرآن بإلغاء التبني الجاهلي في سورة الأحزاب ({ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ})، فبين هنا أن حليلة الابن المتبنى لا تحرم على الأب الكافل إذا فارقها الابن بالطلاق، كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بعد زيد بن حارثة إبطالاً للبدعة الجاهلية.
الحكمة العقلية والطبية والاجتماعية في تحريم القرابات القريبة: صيانة العلاقات الأسرية من التنافس الجنسي والأطماع التي تفسد صلة الأرحام، وتوسيع دائرة المصاهرة والتعارف الإنساني بين القبائل والشعوب، بالإضافة إلى ما أثبته الطب الوراثي الحديث من تركيز الأمراض الوراثية والعيوب الجسدية والعقلية عند نكاح الأقارب المباشرين.
الإيجاز الإعجازي: جمعت الآية في ألفاظ قليلة موجزة تفاصيل نظام المحرمات التي يعجز عن تقنينها أكبر المجالس التشريعية، فجاءت محكمة واضحة قاطعة لكل نزاع.
التذييل بالمغفرة والرحمة: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}؛ تطييباً لقلوب من أسلموا ولديهم عقود جاهلية سابقة شملها التحريم؛ فما سلف مغفور ومباح بما دخلوا فيه من نور الإسلام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توعية الأسرة المسلمة بضوابط الرضاع، وحث الأمهات على تسجيل الرضعات وضبطها صيانة للأنساب والمحارم.
تعظيم صلة الرحم والتأكيد على أن دائرة المحارم سياج أمان نفسي واجتماعي يحفظ البيت المسلم في أسمى درجات الطهارة والعفة.