ألفاظ السب والتحريف المستترة: أخرج ابن جرير الطبري (ج ٨، ص ٣٨٥-٤٠٥)مصدر غير محدد٨/٣٨٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن نفراً من يهود المدينة كانوا يأتون مجالس النبي صلى الله عليه وسلم فيخاطبونه بكلام يوهمون به الأدب والتوقير وهم يقصدون به الشتيمة والسب بلغتهم؛
يقولون: {اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ}: يوهمون في الظاهر: اسمع منا غير مكروه ولا مسموع ما يسوؤك، ويقصدون في الباطن دعاءً عليه: اسمع لا أسمعك الله ولا استجيب لك، أو جعلك الله أصم!
ويقولون: {رَاعِنَا}: يلوون ألسنتهم بها، وهي باللغة العبرية والسريانية (راعونا) سب قبيح معناه الرعونة والشر والسب؛ ففضحهم القرآن في مكرهم.
تفسير {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ}: تحريف الألفاظ بتبديلها في التوراة (كآية الرجم ونعت النبي)، وتحريف المعاني بصرف النصوص المحكمة عن مراد الله وحملها على التأويلات الباطلة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
هَادُوا
تابوا أو انتسبوا إلى يهوذا، والمراد بهم طائفة من اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم.
يُحَرِّفُونَ
التحريف في اللغة التغيير والإمالة للشيء عن حرفه أي طرفه وموضعه.
لَيًّا
اللي هو الفتل والتحريف، ولوى لسانه بكذا إذا عطفه وحرفه وأماله عن الصدق.
وَأَقْوَمَ
أعدل وأصوب وأشد استقامة.
مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا
جار ومجرور خبر مقدم، والمبتدأ محذوف تقديره "قوم يحرفون"، أو "من" لبيان الأعداء المذكورين في الآية السابقة.
يُحَرِّفُونَ
مضارع والواو فاعل، والجملة نعت للمبتدأ المحذوف أو حال.
لَيًّا
مفعول مطلق لفعل محذوف، أو مفعول لأجله منصوب، أو حال منصوبة (أي لاوين ألسنتهم).
إِلَّا قَلِيلًا
إلا أداة استثناء، وقليلاً مستثنى منصوب (أي إلا إيماناً قليلاً لا ينفعهم، أو إلا نفراً قليلاً كعبد الله بن سلام).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف تفصيلي لسلوكيات الغدر والنفاق النفسي واللساني التي كان يمارسها أولئك الخصوم؛ لتوعية المجتمع النبوي بحقائق النفوس وحمايته من التسمم اللفظي والشبهات الخفية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فضح التلاعب بالألفاظ وازدواجية الخطاب: الآية تكشف منهجاً خطيراً من مناهج الحرب الفكرية، وهو "التلاعب اللغوي بالألفاظ المشتركة" لتمرير الطعن في الدين؛ وتضع ميزاناً حاسماً في وجوب تطهير الألفاظ الإسلامية من كل ما يحتمل الإهانة أو التنقص؛ وإحلال الألفاظ الصريحة في الأدب والتوقير محلها.