طرد الشيطان وقسمه بالعداوة: قال قتادة وابن عباس ومجاهد: طرده الله وأبعده من رحمته وأخرجه من جنته لما استكبر عن السجود لآدم، فقال إبليس عند ذلك متوعداً ومقسماً: لأتخذن من عبادك جزءاً معلوماً وحصة مقدرة بطاعتي والغواية، فأصيرهم لي حزباً يتبعونني إلى نار جهنم!
أخرج الطبري (ج ٩، ص ٢٨٠)مصدر غير محدد٩/٢٨٠ أن "النصيب المفروض" هو الجزء المعلوم المقدر بالذنوب والمعاصي والكفر؛ كما قال تعالى: {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لَّعَنَهُ
الطرد والإبعاد من كل خير وإحسان ونور.
لَأَتَّخِذَنَّ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، وأتخذن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ دلالة على الإصرار المستميت في العداوة.
نَصِيبًا مَّفْرُوضًا
حظاً معلوماً مقدراً مفروزاً من بني آدم يطيعونني في الشرك والمعاصي.
لَّعَنَهُ اللَّهُ
جملة فعلية معترضة دعائية أو خبرية في محل نصب نعت لشيطان، أو مستأنفة.
وَقَالَ
معطوف على لعنه أو مستأنف.
لَأَتَّخِذَنَّ
فعل مضارع وفاعله مستتر (أنا)، وجملة القسم في محل نصب مقول القول.
مِن عِبَادِكَ
متعلق باتخذن، و{نَصِيبًا}: مفعول به، و{مَّفْرُوضًا}: نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف لأبعاد الخطة الشيطانية الأصلية وإعلان الحرب الأزلية ضد بني آدم؛ ليعلم المسلم أن الشيطان عدو لدود أقسم بعزة ربه على استلاب حصة من البشر وإلقائهم في النار؛ فلا يجوز لعاقل أن يتخذه ولياً من دون الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عجز الشيطان وسلطانه على أوليائه فقط: قسم إبليس هذا لا يعني أنه يملك سلطة قهرية أو خلقاً مستقلاً يجبر به الناس على الكفر؛ فالنصيب المفروض إنما يتحقق بطواعية الغاوين واستجابتهم لوسوسته واختيارهم الضلال بملء إرادتهم؛ كما قال إبليس نفسه يوم القيامة: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم}.
إسناد العباد إلى ضمير الخطاب الإلهي {عِبَادِكَ}: إقرار باعتراف إبليس بربوبية الله وخالقيته؛ فمع كفره وتمرده هو يعلم أن البشر عباد لله خلقاً وملكا، ولكنه يتوعد بإغوائهم ليصرفهم عن عبادة مولاهم الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من الوقوع في حبال النصيب المفروض لإبليس بالاستسلام للشهوات والشبهات.
الاستعاذة الدائمة بالله من همزات الشياطين والاعتصام بالتوحيد والذكر الحصين.