إسلام كعب الأحبار وسبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج ٨، ص ٤١٠)مصدر غير محدد٨/٤١٠ وابن سعد في الطبقات، والبيهقي في دلائل النبوة عن كعب الأحبار أنه قال: «ما أسلمت حتى سمعت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا...}، فخشيت ألا أصبح حتى يطمس وجهي فيرد على دبري، فبادرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت».
معنى طمس الوجوه وردها على الأدبار: قال ابن عباس وقتادة وعطية العوفي: الطمس محو الملامح والصور؛ فتجعل العينان والأنف والفم كالقفا مسحوبة ممسوحة لا معالم لها، ثم ترد الوجوه إلى جهة الأقفية فتمشي القهقرى. وقيل: طمس معنوي بصرفهم عن الهداية وتنكيس قلوبهم إلى الضلالة، والجمهور على حقيقة الوعيد الحسي يوم القيامة أو في الدنيا إن لم يؤمنوا.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَطْمِسَ
الطمس محو الأثر والصورة حتى يصير الموضع مستوياً أملس لا بروز فيه.
أَدْبَارِهَا
الأدبار جمع دُبُر، وهو القفا وخلف الشيء.
نَلْعَنَهُمْ
اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، ولعن أصحاب السبت كان بمسخهم قردة وخنازير.
مفعول به لنطمس، ونكرت للتهويل أو لبيان أن العقوبة تتناول بعض الوجوه إن لم يسلموا.
مَفْعُولًا
خبر كان منصوب، أي نافذاً حتماً لا مرد له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نداء إنذاري حاسم وصاعق موجه لأهل الكتاب؛ يفتح لهم باب النجاة العاجلة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن المصدق لما بين أيديهم، ويحذرهم من عقوبة كونية مروعة تمس أشرف أعضاء الجسد (الوجه) أو عقوبة المسخ المشابهة لمسخ أصحاب السبت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة {مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم}: القرآن جاء مصدقاً لأصل التوراة والإنجيل في التوحيد والنبوات وبشارة الرسالة الخاتمة؛ فالإيمان به هو تصديق حقيقي لما معهم، والكفر به هو تكذيب لما بين أيديهم من كتب الله؛ فالآية تقيم الحجة العقلية والنصية الملزمة عليهم بأن وفاءهم لكتبهم يقتضي لزاماً اتباع محمد صلى الله عليه وسلم.