القول الأول: هو في الرجل والمرأة البكرين إذا زنيا، كان حكمهما الأذى باللسان والتعيير والضرب بالنعال حتى نسخت بالجلد والتغريب (وهو قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والجمهور).
القول الثاني: المراد اللواط، حكاه ابن زيد وجماعة، والصحيح الأول لعموم السياق وتناسقه مع ما قبله.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن كثير: {وَاللَّذَانِّ} بتشديد النون للتعويض عن الياء المحذوفة.
وقرأ الباقون: {وَاللَّذَانِ} بتخفيف النون على الأصل في التثنية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَآذُوهُمَا
الإيذاء هو إلحاق المكروه القولي أو الفعلي الخفيف كاللوم والتوبيخ والضرب الخفيف بالنعال.
فَأَعْرِضُوا
الإعراض هو الكف عن التعنيف والتثريب بعد التوبة.
وَاللَّذَانِ
مبتدأ مرفوع بالألف، وخبره جملة: {فَآذُوهُمَا} ودخلت الفاء لما في الموصول من معنى الشرط.
فَإِن تَابَا
شرط، وجوابه: {فَأَعْرِضُوا}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عطفت هذه الآية على التي قبلها لبيان حكم مرتكبي الفاحشة؛ فبينت الآية الأولى عقوبة الحبس في حق النساء، وبينت الآية الثانية عقوبة الأذى المشترك، وكان ذلك كله تدرجاً حكيماً في تربية الأمة قبل نزول الحدود القاطعة في سورة النور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التدرج التشريعي في الحدود: لم تفاجئ الشريعة الناس بالحدود الصارمة دفعة واحدة، بل تدرجت من الحبس والأذى والتعنيف إلى استقرار أحكام الجلد والرجم، وذلك لتوطين النفوس على العفة وترسيخ الرقابة الإيمانية، وفي هذا أصل عظيم من أصول السياسة الشرعية والدعوة إلى الله بمراعاة أحوال المجتمعات وظروف انتقالها.
اقتران التوبة بالإصلاح في قوله: {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا}؛ ليدل على أن التوبة اللسانية لا تكفي حتى يقترن بها العمل الصالح وتغيير السلوك الفعلي، وتذييل الآية بـ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} فتح لباب الأمل ودعوة للمجتمع لتقبل التائبين وعدم ملاحقتهم بالعار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قبول توبة التائبين وعدم تعييرهم بذنوبهم الماضية إذا ظهرت منهم أمارات الصلاح والتقوى.
إشاعة روح الأمل والتراحم في المجتمع المسلم بدلاً من روح الانتقام والتنفير.