سبب النزول وثبات المخلصين: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج ٨، ص ٥٥٥)مصدر غير محدد٨/٥٥٥ عن السدي قال: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا أنفسنا (يعني في قصة عبادة العجل وتوبة بني إسرائيل)، فقال ثابت بن قيس: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا! فنزل قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}.
وروى الطبري وأحمد في فضائل الصحابة عن أبي إسحاق السبيعي قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي»، وكان منهم أبو بكر الصديق وثابت بن قيس وعمار بن ياسر.
القراءات القرآنية المتواترة:
قرأ السبعة غير ابن عامر: {إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} برفع اللام (بدل من الواو في فعلوه على لغة تمام الكلام بالنفي).
وقرأ ابن عامر الشامي: {إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} بنصب اللام على الاستثناء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
كَتَبْنَا
فرضنا وأوجبنا وقضينا حتماً لازماً.
مَا يُوعَظُونَ بِهِ
ما يؤمرون به من امتثال طاعة الرسول وتحكيم شرعه وترك النفاق.
تَثْبِيتًا
ترسيخاً للإيمان واليقين في قلوبهم وحمايتهم من الزلل والتذبذب.
وَلَوْ أَنَّا
لو شرطية، والمصدر المؤول فاعل لفعل محذوف.
أَنِ اقْتُلُوا
أن تفسيرية، واقتلوا فعل أمر والواو فاعل.
مَّا فَعَلُوهُ
ما نافية، وفعلوه جواب لو.
إِلَّا قَلِيلٌ
إلا أداة استثناء، قليل بدل من الواو مرفوع بالضمة (أو منصوب على الاستثناء في قراءة ابن عامر).
وَأَشَدَّ
معطوف على خيراً منصوب، و{تَثْبِيتًا} تمييز منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تذكير بنعمة التيسير ورفع الآصار والأغلال في شريعة الإسلام؛ فالله لم يفرض على هذه الأمة قتل النفس ولا الخروج الشاق من الديار كما فرض على بني إسرائيل، بل خفف عنهم، فبين أن التمسك بالتكاليف اليسيرة الميسرة هو السبيل العظيم لثبات القلوب ورسوخ الإيمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سنة الثبات بالعمل الصالح: الآية تقرر قاعدة تربوية ونفسية عظمى: "العمل بالشرع يثبت الإيمان"؛ فالذي يمتثل المواعظ والتكاليف اليومية يرسخ الله في قلبه اليقين والنور؛ أما التردد والجدل النظري والقعود عن العمل فيورث الشك والتذبذب والنفاق؛ فالثبات ليس هبة مجانية بل هو ثمرة الطاعة والانقياد.
الامتحان الافتراضي بـ "لو": إبراز الفارق بين عزائم الصادقين المخلصين الذين يبذلون أرواحهم لو طلبت، وبين نفوس المنافقين الرخوة التي تضيق بأيسر التكاليف كأداء الزكاة والصلوات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار منة الله العظيمة في يسر الشريعة وسماحتها ورحمتها.
المبادرة إلى تطبيق المواعظ والأحكام فور سماعها طلباً لتثبيت الله في المحن والشدائد.