سبب النزول وقصة مفتاح الكعبة: أخرج ابن جرير الطبري (ج ٨، ص ٥١٥)مصدر غير محدد٨/٥١٥ وابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك وابن سعد في الطبقات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، دعا عثمان بن طلحة الحجبي العبدري (سادن الكعبة)، فأخذ منه مفتاح الكعبة ودخل البيت فصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن يعطيه المفتاح ليجمع لبني هاشم بين السقاية والسدانة، فأنزل الله تعالى في جوف الكعبة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: «خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، إن الله ائتمنكم على بيته»، فكانت هذه الآية أصلاً عاماً محكماً لكل أمين وحاكم وقاض ومكلف.
أخرج أحمد والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْأَمَانَاتِ
جمع أمانة، وهي كل حق لزمك أداؤه وحفظه؛ فتعم حقوق الله تعالى (كالصلاة والصيام والغسل من الجنابة والوفاء بالنذور)، وتعم حقوق العباد (كالودائع والديون، وحفظ الأسرار، والعدل في الرعية، وأمانات الوظائف العامة).
بِالْعَدْلِ
العدل هو وضع الشيء في موضعه بإعطاء كل ذي حق حقه ومطابقة الحكم للحق دون ميل أو محاباة أو رشوة.
نِعِمَّا
نِعْمَ كلمة مدح، وما اسم نكرة بمعنى "شيئاً" في محل نصب على التمييز، أو معرفة تامة في محل رفع فاعل؛ والمعنى: نعم الشيء الذي يعظكم به ويأمركم به.
إِنَّ اللَّهَ
إن واسمها، وجملة {يَأْمُرُكُمْ} خبرها.
أَن تُؤَدُّوا
مصدر مؤول في محل نصب مفعول به ليأمركم (بحذف حرف الجر، أي بأن تؤدوا).
وَإِذَا حَكَمْتُم
الواو عاطفة، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان، حكتم فعل وفاعل.
أَن تَحْكُمُوا
مصدر مؤول معطوف على أن تؤدوا (أي ويأمركم بالعدل إذا حكمتم).
سَمِيعًا
خبر أول لكان، و{بَصِيرًا}: خبر ثان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو عماد السياسة الشرعية والقضاء الإسلامي؛ جاء بعد آيات العقائد والمحاكمات ليقرر أساس قيام الدول والمجتمعات: "أداء الأمانات" و"الحكم بالعدل"؛ فبدون هذين الركنين ينهار بنيان الأمة وتسقط الثقة بين الراعي والرعية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عمومية الحكم لجميع البشر: قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}؛ جاء التعبير بلفظ {النَّاسِ} بصيغة العموم المطلق ولم يقل "بين المؤمنين"؛ للدلالة القطعية على أن العدل في الإسلام واجب مطلق تجاه كل إنسان؛ مسلماً كان أو كافراً، براً كان أو فاجراً، قريباً كان أو عدواً لدوداً؛ فالقضاء الإسلامي لا يعرف التحيز الديني أو العرقي عند فصل الحقوق، بل يقيم ميزان العدل الصارم مجرداً من كل هوى.
الجمع والتعميم في {الْأَمَانَاتِ}: الجمع يدل على استغراق سائر أصناف الأمانات الدينية والسياسية والمالية والاجتماعية؛ فالولاية أمانة، والقضاء أمانة، والعلم أمانة، وتربية الأبناء أمانة، والوظيفة العامة أمانة؛ يسأل عنها العبد أمام الديان.
التذييل بالسمع والبصر: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}؛ تذكير للحكام والقضاة والأمناء بأن الله يسمع ما ينطقون به من أحكام، ويبصر ما يأخذونه ويدعونه من حقوق وأموال؛ فلا يمكن خداعه بحيل الألفاظ وتزييف الشهادات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أداء الودائع والحقوق إلى أصحابها كاملة بغير مماطلة ولا بخس.
تحري العدل والإنصاف في البيت، والعمل، وسائر ميادين الحياة، وتجنب شهادة الزور والمحاباة.