سبب النزول ومناط النهي: أخرج الطبري في "جامع البيان" (7/ 574، ط. الرسالة) بسنده عن قتادة والسدي: نزل النهي صريحاً لجماعة من المنافقين وقومي من ضعاف الإيمان بمكة والمدينة كانوا يوادّون كفار مكة وأهل الكتاب من قريظة والنضير ويسرون إليهم بالمودة، فنهاهم الله جل وعلا عن موالاة الكافرين واتخاذهم بطانة من دون أهل الإيمان.
تفسير السلطان المبين: روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (4/ 1148، رقم 6046) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كل سلطان في القرآن فهو حجة وبينة»، أي: أتريدون بموالاتكم لأعداء الله أن تجعلوا لله عليكم حجة ظاهرة بينة يستوجب بها عقابكم وإظهار نفاقكم وقطع العصمة عنكم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَوْلِيَاءَ}: جمع وليّ، فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، والولاية بالفتح: النصرة والمحالفة والمودة والمظاهرة في الدين.
{سُلْطَانًا}: السلطان في كلام العرب: الحجة القاهرة والبرهان الداحض للشبهة؛ سميت الحجة سلطاناً لأن صاحبها يسلط بها على خصمه فيقهره ويفلحه.
الإعراب والتركيب:
{لَا تَتَّخِذُوا}: لا ناهية جازمة، تتخذوا: فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{الْكَافِرِينَ}: مفعول به أول منصوب بالياء.
{أَوْلِيَاءَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة غير منون لأنه على وزن أفعلاء ممنوع من الصرف.
{مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}: متعلق بحال محذوفة من أولياء، أو صفة؛ أي: متجاوزين ولاية المؤمنين إلى ولاية غيرهم.
{أَتُرِيدُونَ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي؛ {أَن تَجْعَلُوا}: أن وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول به لتريدون.
{سُلْطَانًا}: مفعول به أول لتجعلوا، و{لِلَّهِ عَلَيْكُمْ}: متعلقان بمحذوف حال، و{مُّبِينًا}: نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه الاتصال بالسياق السابق: لما ذكر الله تعالى في الآيات السالفة صفات المنافقين وتقلبهم وموالاتهم للكافرين وتخليهم عن المؤمنين؛ التفت إلى المؤمنين بالخطاب الشرعي المباشر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ليحذرهم تحذيراً قاطعاً من سلوك مسالك المنافقين، فإن مشابهة المنافقين في اتخاذ الكفار أولياء تجلب سخط الله وتثبت حجة العقوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة الخلط بين الموالاة الدينية والمعاملة الدنيوية بالعدل:
يدفع الإشكال: ميز المحققون من أئمة أهل السنة والجماعة -كابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (28/ 208)مجموع الفتاوىابن تيمية٢٨/٢٠٨ والقرطبي (5/ 417)مصدر غير محدد٥/٤١٧- بين نوعين من العلاقة:
الموالاة الاعتقادية والنصرة الدينية والمحبة لأجل دين الكفر، وهذا هو المنهي عنه قطعا في الآية، وهو مخرج من الملة أو ذريعة للنفاق.
البر والإقساط وحسن المعاملة الدنيوية للذمي والمعاهد والوالد المشرك، وهذا جائز بنص قوله تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ... أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}. فالممنوع هو النصرة والمودة الدينية على حساب الإسلام وأهله.