سبب النزول: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الفرائض، باب ميراث البنات، رقم ٦٧٣٦)مصدر غير محددحديث رقم ٦٧٣٦، ومسلم في صحيحه (كتاب الفرائض، باب ميراث البنات، رقم ١٦١٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٦١٦ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه، فعقلت فقلت: يا رسول الله، لمن الميراث إنما يرثني كلالة؟ فنزلت آية الفرائض: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ}». وأخرج أحمد في مسنده (رقم ١٤٤١٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٤١٤، وأبو داود (رقم ٢٨٩١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٩١، والترمذي (رقم ٢٠٩٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٩٢ وحسنه، عن جابر رضي الله عنه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالاً، ولا تُنكحان إلا ولهما مال، قال: «يقضي الله في ذلك»، فنزلت آية الميراث: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ}، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما، فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك».
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو جعفر: {يُوصَى بِهَا} بضم الياء وفتح الصاد مبنياً للمفعول.
قرأ حمزة والكسائي وحفص: {فَلِأُمِّهِ} بضم الهمزة مع كسر اللام على الأصل، وقرأ باقي السبعة بكسر الهمزة إتباعاً لكسرة اللام: {فَلِإِمِّهِ} تخفيفاً.
تفسير السلف: ذكر الطبري في جامع البيان (ج ٧، ص ٥٨٥-٦١٠)مصدر غير محدد٧/٥٨٥ أن هذه الآية المباركة نسخت ما كان عليه الأمر في الجاهلية وأول الإسلام من التوارث بالحلف والنصرة والهجرة، وحرمان النساء والصغار، وقررت تقسيم التركات بمقتضى العدل الإلهي المحيط.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُوصِيكُمُ
الوصية هي العهد المؤكد بالأمر والنهي، وتعديتها بـ "في" لتضمين معنى القضاء والفرض الحتمي في شأن الأولاد.
حَظِّ
الحظ هو النصيب المقدر من الخير والمال، وجمعه حظوظ وأحظّ.
فَوْقَ اثْنَتَيْنِ
الظرفية هنا حقيقية للدلالة على العدد الزائد على اثنين، ودلت السنة وإجماع الأمة على أن الاثنتين كالثلاث في استحقاق الثلثين قياساً على الأختين في آخر السورة وعلى قضاء النبي صلى الله عليه وسلم لابنتي سعد بالثلثين.
كَلَالَةً
الكلالة مأخوذة من تكلله النسب، أي أحاط به من جوانبه دون أصله وفرعه، وهو من لا ولد له ولا والد.
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و{مِثْلُ} مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و{حَظِّ} مضاف إليه، و{الْأُنثَيَيْنِ} مضاف إليه مجرور بالياء.
فَإِن كُنَّ نِسَاءً
الفاء عاطفة تفريعية، {كُنَّ} فعل ماض ناقص واسمه ضمير النسوة، و{نِسَاءً} خبر كان، و{فَوْقَ} ظرف مكان متعلق بمحذوف نعت لنساء أو خبر ثان، و{اثْنَتَيْنِ} مضاف إليه مجرور بالياء.
فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ
مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة السابقة، أي: فرض الله ذلك فريضة، أو حال مؤكدة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية بعد الأمر برعاية أموال اليتامى والنهي عن التعدي عليها في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا}، فبين الله تعالى كيفية انتقال الأموال بالحق المشروع والأنصبة المقدرة قطعاً للنزاع والظلم.
النظم البديع بدأ بالأولاد لأنهم ألصق الناس بالمرء وأعظمهم شفقة، وثنى بالوالدين لأنهما أصل الوجود، وختم ببيان حكم الوصية والدين وتقرير حكمة العليم الحكيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة تفضيل الذكر على الأنثى: يثير المغرضون شبهة عدم المساواة في الميراث، والجواب التحليلي القاطع: أن التشريع الإسلامي لم يقسم الميراث على أساس الجنس أو التفاضل الإنساني، بل على أساس الأعباء المالية والتكليفية وموقع الجيل الوارث؛ فالرجل مكلف بالصداق والنفقة الكاملة على زوجته وأولاده وأقاربه المعوزين، بينما مال المرأة خالص لها لا تلزم بالنفقة منه على أحد ولو كانت غنية وزوجها فقيراً. فإذا ورثت نصف نصيب أخيها وأعفيت من كل الأعباء المالية، كان ما تستبقيه من المال أضعاف ما يتبقى للرجل بعد قيامه بتكاليفه ونفقاته، والعدل الحقيقي هو إعطاء كل ذي حق ما يناسب وظيفته التكليفية، لا التسوية الصورية المخلة.
حكمة تقديم الوصية على الدين لفظاً: قدمت الوصية في اللفظ وأخرت في الحكم الفقهي؛ لأن الدين له مطالب يطلبه بقوة فلا يضيع، بخلاف الوصية فإنها تبرع محض قد يتهاون الورثة في إخراجه فقدمها القرآن تحريضاً وتأكيداً على الوفاء بها.
الالتفات والاحتراس البلاغي: في قوله تعالى: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا}، أسلوب استئناف مسوق لبيان علة القسمة الإلهية، وفيه قطع لطمع الإنسان في أن يقسم ماله بهواه وعاطفته المتقلبة؛ فالإنسان قاصر النظر لا يعلم الغيب، والله هو المحيط بمصالح العباد في العاجل والآجل.
الفواصل القرآنية المحكمة: الختم بـ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} يتضمن إشعاراً بأن هذه المقادير صادرة عن علم مطلق محيط بالمصالح، وحكمة بالغة تضع كل نصيب في موضعه الذي لا خلل فيه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب الرضا التام بقسمة الله تعالى وعدم التحايل لحرمان البنات أو الإضرار ببعض الورثة.
تطهير القلوب من الجشع وحب الاستئثار بالتركات؛ فالميراث حق شرعي فرضه الله فريضة محكمة، والتهاون فيه استجلاب لغضب الجبار وعقابه.