أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار: قال السلف كابن عباس وقتادة ومجاهد: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مما وقع في خاطره الشريف من الميل إلى تصديق بني أبيرق والدفاع عنهم بناءً على ظاهر كلامهم واعتذارهم قبل نزول الوحي؛ وتطهيراً لمقامه العالي من أدنى همٍّ يخالف الأولى.
أخرج الطبري (ج ٩، ص ١٩٨)مصدر غير محدد٩/١٩٨ أن الاستغفار هنا تعليم للأمة لتعظيم حرمة التسرع في تصديق الخائنين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَاسْتَغْفِرِ
طلب المغفرة والستر والمحو للذنب والتقصير من الله تعالى.
غَفُورًا رَّحِيمًا
صيغتا مبالغة تدلان على كمال المغفرة والرحمة التامة بالعباد.
وَاسْتَغْفِرِ
فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت، واسم الجلالة مفعول به.
إِنَّ اللَّهَ
إن واسمها، وجملة {كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} خبرها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء الأمر بالاستغفار مباشرة بعد النهي عن مخاصمة الخائنين؛ ليربي الأمة على اللجوء إلى التوبة والاستغفار عند كل تردد أو اجتهاد قد يقارب الخطأ، ويفتح أبواب الرحمة والسكينة في الصدور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
عصمة الأنبياء وحقيقة استغفار النبي صلى الله عليه وسلم: أجمع أهل السنة والجماعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الخطأ في التبليغ، وعصمته من الكبائر والإقرار على الصغائر؛ واستغفاره هنا صلوات الله وسلامه عليه لم يكن عن ذنب عمدي، بل هو من باب "حسنات الأبرار سيئات المقربين"؛ حين همّ بالقضاء بناء على الظاهر فصوب الله له الحق بالوحي؛ فاستغفر ربه عبودية وتواضعاً وتعليماً لأمته بمحاسبة النفس على أدنى الخواطر.
التعليل باسمي المغفرة والرحمة: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}؛ لتطمين قلب النبي صلى الله عليه وسلم بأنه معصوم برحمة ربه ومحوط بمغفرته ورعايته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كثرة الاستغفار في كل الأوقات تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة.
محاسبة النفس ومراجعة القرارات والمواقف ورد المظالم إلى أهلها فور تبين الحق.