التردد في الكفر ومآل المصرين عليه: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ٤٦٥-٤٧٥)مصدر غير محدد٩/٤٦٥ وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن وابن عباس قالوا: نزلت في قوم من أهل الكتاب واليهود؛ آمنوا بالتوراة وموسى، ثم كفروا بعزير وعبادة العجل، ثم آمنوا، ثم كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وماتوا على ذلك؛ وقيل نزلت في طائفة من المنافقين ديدنهم التذبذب والتنقل بين الإيمان والكفر باستهزاء حتى ماتوا على كفرهم.
روى الطبري عن مجاهد قال: {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا}: أي ثبتوا عليه وأقاموا عليه واستمروا حتى أدركهم الموت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ثُمَّ
حرف عطف يفيد التراخي والمهلة؛ للدلالة على تكرار الردة وتقلبهم في الضلال.
ازْدَادُوا كُفْرًا
زادوا في طغيانهم بمحاربة الإسلام والصد عنه والموت على الجحود.
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
اللام لام الجحود لتوكيد النفي القاطع لمغفرة الله لمن ختم له بالكفر والردة المستمرة.
إِنَّ الَّذِينَ
إن واسمها، وجملة آمنوا صلتها.
ثُمَّ كَفَرُوا
معطوفات متتابعة بثم.
كُفْرًا
تمييز منصوب لازدادوا أو مفعول به.
لَّمْ يَكُنِ
خبر إن، لم جازمة ويكون مضارع مجزوم وحرك بالكسر للساكنين، واسم الجلالة اسمها.
لِيَغْفِرَ
اللام لام الجحود، يغفر مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد اللام، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بمحذوف خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحذير صارخ من الاستهانة بالدين والتلاعب بالعقيدة؛ فبعد أن أمر بالثبات على الإيمان، فضح أولئك الذين يتخذون الدين لعبة يتنقلون بينه وبين الكفر استهزاءً وطمعاً دنيوياً؛ فبين أن مآل هذا الاستهتار هو الطبع على القلوب والحرمان الأبدي من الهداية والمغفرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سنة الطبع على قلوب المستهزئين وقبول توبة المرتد: دلت نصوص الشريعة وإجماع الأمة على أن المرتد إذا تاب توبة نصوحاً قبل الموت قبل الله توبته؛ والمنفي غفرانه في الآية هو لمن "ازداد كفراً واستمر عليه حتى مات"؛ أو لمن تلاعب بالدين تلاعباً أفقده أهلية التوبة الصادقة فعاقبه الله بالطبع على قلبه وسلب التوفيق منه، جزاء وفاقاً لاستهانته بمقام الألوهية.
تكرار العطف بـ "ثم" أربع مرات: لتصوير التراخي والتمادي والتقلب العابث في الضلال؛ ثم ختم بـ {ازْدَادُوا كُفْرًا} لبيان أنهم لم يكتفوا بالردة السلبية بل ارتقوا إلى محاربة الحق والعتو فيه.
توكيد النفي بلام الجحود: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ}؛ أبلغ صيغ النفي في لسان العرب للدلالة على استحالة المغفرة لمن هذا حاله وديدنه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات على دين الإسلام وسؤال الله الثبات حتى الممات: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".
الحذر من التهاون في أحكام الشريعة أو التردد في الثوابت العقدية.