الذكر الدائم في الحرب والسلم: قال ابن عباس وقتادة: فإذا فرغتم من صلاة الخوف فأديموا ذكر الله بالتهليل والتحميد والتكبير والاستغفار في كل أحوالكم؛ قياماً على أقدامكم، وقعوداً في حصونكم وخنادقكم، ومضطجعين على جنوبكم لجراحكم وأثقالكم.
تفسير {كِتَابًا مَّوْقُوتًا}: أخرج الطبري في تفسيره (ج ٩، ص ١٦٥)مصدر غير محدد٩/١٦٥ عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة قالوا: {كِتَابًا مَّوْقُوتًا}: أي واجباً مفروضاً موقتاً بأوقات معلومة ومحددة لا يجوز تقديمها عليها ولا تأخيرها عنها بغير عذر شرعي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
قَضَيْتُمُ
أتممتم وفرغتم من أدائها.
اطْمَأْنَنتُمْ
سكنت قلوبكم، وزال الخوف، واستقر الأمن، وعُدتم إلى أوطانكم.
الفاء رابطة، اذكروا فعل أمر مبني على حذف النون، واسم الجلالة مفعول به.
قِيَامًا
حال منصوبة من فاعل اذكروا، و{قُعُودًا}: معطوف منصوب، و{وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ}: جار ومجرور معطوف في محل نصب حال.
فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ
شرط ثان وجوابه {فَأَقِيمُوا}.
كِتَابًا
حال مؤكدة لمضمون الجملة أو مصدر منصوب بفعل محذوف، و{مَّوْقُوتًا}: نعت منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ربط معجز بين حركات البدن في القتال وبين دوام الصلة بالله؛ فإذا انتهت الصلاة ذات الحركات المخصوصة، لم ينقطع حبل الذكر القلبي واللساني، بل يستمر في الكر والفر؛ فإذا زال الخوف وحل الاطمئنان عاد الحكم إلى الأصل التام في إقامة الصلاة بأركانها وشروطها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حرمة إخراج الصلاة عن وقتها بحجة الانشغال: النص القرآني الحاسم: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} يدحض كل تهاون في تأخير الصلاة؛ فالصلاة مرتبطة بأوقات فلكية كونية محكمة بينها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا يحل لمسلم أن يفرط في وقت الصلاة أو يجمعها بغير عذر مشروع (كسفر أو مطر أو مرض)، بل الواجب أداؤها في وقتها ولو على الهيئة الميسرة في الخوف والمرض؛ لأن الوقت آكد شروط الصلاة.
استيعاب الأحوال البشرية الثلاثة: {قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} استيعاب بياني بديع لسائر تقلبات الجسد الإنساني وحالاته الحركية والسكونية؛ إشارة إلى أن ذكر الله هو روح الحياة التي لا ينبغي أن تنقطع في أي لحظة.
التأكيد بـ "كانت" للدلالة على الاستقرار واللزوم: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} لتقرير فرضيتها الأبدية المستقرة منذ شرعها الله إلى قيام الساعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لزوم المحافظة على أوقات الصلوات الخمس في أول أوقاتها وعدم التهاون فيها.
تعمير الأوقات بذكر الله في كل حال: ماشياً، وقاعداً، ومضطجعاً، لتحصيل الطمأنينة القلبية.